زيارة مبعوث بايدن إلى العراق: رسالة طمأنة لحكومة السوداني

زيارة مبعوث بايدن إلى العراق: رسالة طمأنة لحكومة السوداني

حملت زيارة بريت ماكغورك، منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى العراق رسائل طمأنة للحكومة الاتحادية برئاسة محمد شياع السوداني، كما عكست الزيارة انشغالا أميركيا بالصراع الجاري في إقليم كردستان، والذي ينذر بالعودة إلى نظام الإدارتين.

ويرى مراقبون أن زيارة ماكغورك تستهدف تجديد الدعم الأميركي لبغداد، في ظل قلق عراقي حيال هذه المسألة لاسيما بعد سلسلة من الإجراءات التي فرضها البنك الفيدرالي الأميركي على العراق في ما يتعلق بالحوالات المالية بالدولار، الأمر الذي تسبب في تراجع قيمة الدينار العراقي أمام الدولار إلى أدنى مستوياته.

وقد اعتبرت الخطوة الأميركية رسالة ضغط على الحكومة العراقية تحذرها من مغبة اتخاذ أي خطوات تدفع إليها بعض القوى الموالية لإيران لاسيما في علاقة بإخراج القوات الأميركية.

وأكد منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال لقائه برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني على دعم بلاده لإنجاح الحكومة الاتحادية وتقديم المشورة للجيش.

وذكر بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي أن “السوداني استقبل منسّق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مبعوثاً من الرئيس الأميركي جو بايدن”، دون أن يحدد موعد وصوله ومدة زيارته.

وقال البيان إن اللقاء بحث “مجمل العلاقات بين العراق والولايات المتحدة، وسبل تعزيزها وتنميتها على مختلف الصعد والمجالات، بما يخدم مصالح الشعبين العراقي والأميركي”.

ووفق البيان، أكد ماكغورك دعم بلاده لإنجاح الحكومة العراقية و”استمرار الولايات المتحدة في تقديم المشورة للقوات العراقية في قتالها ضد داعش”.

وأوضح ماكغورك أن الإدارة الأميركية “تجدد التزامها باتفاقية الإطار الإستراتيجي، ودعم إصلاحات الحكومة العراقية في مجال الطاقة والبنية التحتية ومواجهة التغيرات المناخية”.

وتحتكم علاقات بغداد وواشنطن إلى بنود اتفاقية الإطار الإستراتيجي الموقعة عام 2008 والتي نظّمت طبيعة العلاقات بين البلدين، وسحب القوات الأميركية من العراق بحلول نهاية عام 2011، مع الإبقاء على عدد منها ضمن مهام استشارية.

وقد عادت القوات الأميركية إلى العراق في العام 2014 من بوابة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش الذي قام في العام 2013 باجتياح أجزاء واسعة من البلاد

وبعد إعلان انتهاء الحرب على داعش عادت القوى الموالية لطهران إلى الضغط باتجاه رحيل القوات الأميركية، واتسع نطاق الضغط في هذا الاتجاه إثر اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم

سليماني ونائب الحشد الشعبي العراقي أبومهدي المهندس في غارة جوية أميركية في يناير من العام 2020.

وصدر عقب الاغتيال قرار من البرلمان العراقي يطالب بانسحاب جميع القوات الأجنبية، ليتم السير في تنفيذ القرار في آخر عهدة رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، حيث تم سحب القوات القتالية مع الحفاظ على عدد من العناصر ضمن مهام استشارية.

وقد رفضت القوى الموالية لإيران الأمر مطالبة بإنهاء كامل للوجود العسكري الأميركي. وبتولي حكومة السوداني السلطة في العراق في أكتوبر الماضي، تجددت المطالب في هذا الملف.

وفي موقف أثار استغراب متابعين، صرح السوداني خلال زيارة قام بها الأسبوع الماضي إلى ألمانيا، بأن بلاده بحاجة إلى القوات الأميركية للحرب على الإرهاب، واصفا إياها بالصديقة.

وانقسمت آراء المتابعين بين من يرى أن هذا الموقف لرئيس الوزراء هو خروج وتمرد عن الإطار التنسيقي الذي يشكل المظلة السياسية للحكومة، وبين من اعتبر أن هناك اتفاقا مسبقا بين الطرفين حيال الأمر، في ظل إدراك كليهما لما يمكن أن يقوده أي تصعيد مع واشنطن لاسيما بعد أزمة الدولار.

ويشير هؤلاء إلى أن الإطار التنسيقي في حاجة إلى دعم أميركي، حتى وإن رفض الإقرار بذلك لاسيما وأن سيطرته على السلطة السياسية تبقى هشة في ظل وضع اقتصادي واجتماعي صعب، ووجود خصوم يتربصون به في الداخل وفي مقدمتهم التيار الصدري.

وأكد السوداني خلال لقائه مع ماكغورك “توجه الحكومة إلى فتح آفاق التعاون مع البلدان الصديقة والشقيقة، بما يؤمن مصالح الشعب العراقي”، مشيرا إلى قدرة القوات الأمنية في العراق “على مواجهة الإرهاب وتثبيت الاستقرار المتحقق بفضل التضحيات”.

ووفق بيان مكتب السوداني فإن ماكغورك “نقل ترحيب بلاده بمخرجات مؤتمر بغداد 2، وجهود تنمية مشاريع البنى التحتية المشتركة بين العراق ومحيطه”.

كما أعلن ماكغورك عن ترحيب الإدارة الأميركية بالزيارة المرتقبة لوزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى واشنطن “لعقد اجتماعات اللجنة التنسيقية العليا لاتفاقية الإطار الإستراتيجي بين البلدين”.

وحضر لقاء السوداني وماكغورك كل من المنسّق الرئاسي الخاص للبنية التحتية العالمية وأمن الطاقة ‏آموس هوكستين والسفيرة الأميركية لدى بغداد ألينا رومانوسكي.

ولم تقتصر جولة المسؤول الأميركي المستمرة في العراق على زيارة بغداد بل شملت أيضا أربيل حيث عقد الثلاثاء اجتماعات مع مسؤولين وقيادات كردية في مقدمتهم زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني.

وأظهرت زيارة ماكغورك إلى أربيل انشغالا أميركيا عميقا حيال الخلافات المستمرة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين وتداعياتها على استقرار الإقليم الذي يحظى بحكم ذاتي في شمال العراق.

الإطار التنسيقي في حاجة إلى دعم أميركي، حتى وإن رفض الإقرار بذلك لاسيما وأن سيطرته على السلطة السياسية تبقى هشة في ظل وضع اقتصادي واجتماعي صعب

وتشهد العلاقة بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الذي يقوده بافل طالباني توترا متصاعدا فشلت التدخلات الأجنبية حتى الآن في احتوائه، ما يثير قلقا من إمكانية عودة نظام الإدارتين.

وتتمحور الخلافات بين الطرفين حول الحكم في الإقليم وكيفية إدارة العائدات المالية، المتأتية أساسا من النفط والغاز، والمنافذ الحدودية. وشدد بارزاني أثناء اجتماعه بالمبعوث الأميركي على ضرورة المضي في إجراء الانتخابات التشريعية في إقليم كردستان خلال هذا العام.

ويعكس موقف بارزاني تشددا من قبله حيال الاتحاد الوطني الذي يرفض أي انتخابات تشريعية في الإقليم دون إجراء تعديلات على النظام الانتخابي وعلى هيئة الانتخابات.

وذكر بيان صادر عن مقر بارزاني أن اللقاء مع ماكغورك بحث الوضع السياسي في العراق والعلاقات بين الإقليم وبغداد، وتم التأكيد على ضرورة حل الخلافات والقضايا العالقة بين أربيل وبغداد، وأهمية دور العراق وإقليم كردستان في تذليل العقبات التي تهدد أمن الطاقة عالميا.

وفيما يتعلق بالوضع داخل إقليم كردستان أكد بارزاني، وفق البيان، أنه يجب إجراء انتخابات نزيهة وشفافة في الإقليم خلال هذه العام، وأنه لن يتم قبول أي عذر لتأجيلها، معربا عن أمله في أن يستمر الاجتماع والتنسيق بين الأحزاب السياسية من أجل التغلب على التحديات ودعم حكومة الإقليم. وبخصوص إصلاحات قوات بيشمركة كردستان كرر زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني دعمه لاستمرار تلك الإصلاحات.

وقدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا في نوفمبر 2018 مشروعا لإصلاح البيشمركة بصورة شاملة. ويهدف المشروع إلى توحيد القوات مع إضفاء الطابع المؤسساتي عليها بالإضافة إلى إعادة هيكلة الوزارة وجعلها بقيادة موحدة. وتتلقى البيشمركة تدريبات على يد مستشارين من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن منذ عام 2014.

ويرى مراقبون أن الخلافات المستمرة بين الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني من شأنها أن تؤثر على جهود توحيد البيشمركة، وهو ما يمثل أحد الهواجس الأميركية التي عبر عنها ماكغورك خلال لقائه بارزاني.

العرب