تونس: الأزمة الاقتصادية أولا والسياسة تأتي لاحقا

تونس: الأزمة الاقتصادية أولا والسياسة تأتي لاحقا

يضع الرئيس التونسي قيس سعيد نصب عينيه مواجهة العناصر التي كانت فاعلة في العشرية الماضية ومحاسبتها، وهو يدعو المؤسسة العسكرية والأمنية إلى لعب دورها في خطوة تظهر أن المرحلة القادمة ستكون فيها السياسة هامشا وأن الأولوية ستكون للملف الاقتصادي.

تونس – بدأ الرئيس التونسي قيس سعيد، مباشرة بعد انتخاب البرلمان، في الكشف عن مقاربته لإدارة المرحلة القادمة، وخاصة ضبط العلاقة مع الطبقة السياسية المعارضة ومع اتحاد الشغل، وكلاهما صعّد في الفترة الماضية من حملته السياسية والإعلامية ضد الرئيس وحكومته.

من الواضح أن شعار الرئيس سعيد في المرحلة القادمة سيعتمد على فكرة أن تونس لا يضيرها أن تدخل السياسة غرفة الإنعاش، المهم هو إدارة الأزمة الاقتصادية وتحقيق انتظارات الناس ولو بالحد الأدنى.

تجربة التوازنات
الأحرى التحرك للتحكم في الإنفاق العام وفرض تقشف حتى يشعر التونسيون أن التقشف توجه رسمي

الكلمة التي ألقاها سعيد بحضور قيادات عليا للحرس الوطني (قوات تابعة لوزارة الداخلية) في ثكنة العوينة بتونس العاصمة حملت علامة واضحة على المرحلة القادمة، فهو لا يريد تكرار لعبة الحوار الوطني التي يتمسك بها اتحاد الشغل، وهي لعبة تطيل الأزمات وتلتف عليها، وتعيد إنتاج منظومة 24 يوليو بكل مكوناتها السياسية والمؤسساتية.

وسعيد بذلك لا يريد تكرار تجربة التوازنات مع الأحزاب واتحاد الشغل والمنظمات التي اعتمدها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، والتي حملت عنوان التوافق، وهي إستراتيجية قامت على تعويم الخلافات وبناء تحالفات انتهازية سرعان ما تفجرت لاحقا، وخلفت وراءها تعقيدات كثيرة خاصة أنها غطت على لوبيات الفساد وسمحت لها بالتمدد في كل الاتجاهات، وظهرت نتائجها بصفة خاصة في الفترة الأخيرة من خلال ظاهرة الاحتكار التي طالت المواد الأساسية، ومن تحكم في السوق قاد إلى ارتفاع الأسعار والمس من قدرات الفئات المتوسطة والضعيفة.

ويبدو أن الرئيس التونسي لم يعد يتحمل الحملات التي تقوم ضده، بعد أن تحملها لأشهر عديدة، ويريد أن يضع لها حدا بمواجهة أصحابها، ولهذا وجه خطابا علنيا للتونسيين بحضور قادة المؤسسة العسكرية والأمنية ليضع الجميع في الصورة وتأكيد أن المرحلة القادمة ستكون حاسمة وأنه لا يمكن لأحد أن يتجاوز عليه، وأن فترة سكوته عن الحملات كانت اختيارا منه وليس علامة ضعف أو خوف.

وحمّل سعيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وكذلك من أسماهم بالقضاة الشرفاء، مسؤوليتهم الواضحة في حماية مؤسسات الدولة، وهو يقصد توجيه رسالة للمعارضين ولاتحاد الشغل مفادها أنه ليس وحده، وأن المؤسسات السيادية تقف إلى جانبه، في رد مباشر على دعوات تحريض طالبت المؤسسة العسكرية والأمنية بالتزام الحياد والنأي بنفسها عن سعيد، في ظل حملة منظمة من المعارضة تطالب بالاستعداد لمرحلة ما بعد سعيد، وسط دعوات إلى انتخابات رئاسية مبكرة كان آخرها ما جاء على لسان رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي.

وتوجه سعيد إلى قيادات الحرس الوطني قائلا إن “الشعب يريد المحاسبة ومطلبه الأساسي المحاسبة ودوركم تاريخي في الاستجابة لمطالب الشعب”.

وأضاف سعيد “واجبكم المقدس أن تتم محاسبة كل من أجرم في حق الوطن (…) ولا يمكن أن يُترك مجرم واحد دون مساءلة.. اليوم نخوض معركة تحرير وطني للحفاظ على الدولة وكفى من يستخفون بالدولة ما اقترفوه من جرائم وما يدبرونه من جرائم في المستقبل”.

وتابع “عليكم (قيادات الحرس الوطني) وعلى القضاة الشرفاء أن تقوموا بدوركم كاملا حتى يتم التصدي لمن تآمر على الدولة في السنوات الماضية، وما زالوا إلى حد هذه الساعة يتآمرون على الدولة”.

ويظهر هذا الخطاب أن المرحلة القادمة، والتي قد تبدأ خلال أيام، سيتم فيها فتح ملفات الخصوم السياسيين، وخاصة ممن حكموا خلال العشرية الماضية، وتحميلهم وضعية ما وصلت إليه البلاد من أزمات.

ومن الواضح أن الاستنجاد بالمؤسسة العسكرية على وجه الخصوص الهدف منه أن تأخذ الملف القضائي بيدها في ظل ما يعتبره الرئيس تباطؤا للقضاء العادي في تسريع محاكمة من تحيلهم وزيرة العدل على المحكمة.

يشار إلى أن المعارضة لديها تقاليد كبيرة في إدارة المعركة مع السلطة على مستوى القضاء العادي، وأي إحالة لقيادي حزبي من أي جهة تقابل بتحشيد كبير مهنيا وإعلاميا، وتفتح الأعين على تفاصيل الملف والتهم الموجهة إليه، مع شبكة كبيرة من المحامين المتخصصين الذين يتسابقون للترافع من قضية إلى أخرى، وعادة ما ينجحون في تحويل القضية من بعدها القضائي إلى بعد سياسي يزعج السلطة أكثر مما يخدمها.

في المقابل، القضاء العسكري حاسم ولا يقرأ أي حساب لهذه التفاصيل ويصدر أحكامه بقطع النظر عن الاعتراضات والمرافعات التي تصدر على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يهمه هو الملفات التي أمامه.

والقضاء العسكري حل، ولكنه حل مكلف سياسيا محليا وخارجيا، مع وجود تقاليد لدى المعارضة، وخاصة حركة النهضة، في استثمار المحاكمات العسكرية خارجيا ضمن شبكات حقوقية وإعلامية جاهزة لتقف آليا ضد السلطة بقطع النظر عن مشروعية ما تقوله من عدمها.

ولا يقف التصعيد الذي ينوي سعيد البدء به عند السياسيين، فهناك مؤشرات على أنه سيواجه الإضرابات والاعتصامات بحزم أكبر.

وأكدت صحيفة ”الشعب نيوز” الناطقة باسم الاتحاد العام التونسي للشغل الثلاثاء إيقاف كاتب عام نقابة الطرقات السيارة أنيس الكعبي على خلفية ما أشار إليه سعيد في اجتماع العوينة من غلق الطريق السيارة تحت غطاء ممارسة العمل النقابي، مشددا على أن هذا الحق وإن كان مكفولا ولكنه لا يجيز أبدا مثل هذه الممارسات.

من الواضح أن الاستنجاد بالمؤسسة العسكرية على وجه الخصوص الهدف منه أن تأخذ الملف القضائي بيدها في ظل ما يعتبره الرئيس تباطؤا للقضاء العادي

وتقول أوساط سياسية تونسية إن مسار المحاكمات، خاصة العسكرية، قد يستدرج سعيد إلى المربع الحقوقي الذي تتقنه المعارضة ويحتاج إلى جهود وخطط ستأخذ الكثير من الاهتمام والوقت، فيما يريد الرئيس سعيد أن يقنع الشارع التونسي بأن لديه حلولا لأزماته، وأن مرحلة ما بعد استكمال بناء المؤسسات ستكون للملف الاقتصادي.

وترى هذه الأوساط أن استمرار الرئيس سعيد في التركيز على البعد السياسي، وردوده المستمرة على الخصوم في كل مناسبة، ليس في صالحه، وأن عليه أن يولي الملف الاقتصادي الأهمية اللازمة سواء استمر في التصعيد مع خصومه أم لا.

الآن سيكون الشارع التونسي متابعا وبدقة للخطوات التي تقطعها الحكومة في إدارة الأزمة الاقتصادية. صحيح أنه وقف مع الرئيس في معاركه مع المعارضة ومع اتحاد الشغل، وما يزال ميالا لمسار 25 يوليو، لكن الأزمة لا تنتظر.

وهذا يستدعي من حكومة نجلاء بودن أن تتحرك بقوة لإدارة مختلف الملفات، وعلى رأسها الإصلاحات الاقتصادية الضرورية من أجل تأمين دعم صندوق النقد، وفي نفس الوقت البحث عن بدائل أخرى تساعد على الاستفادة من قرض الصندوق بدل الاضطرار لإنفاقه في سد الفجوات الكثيرة في المالية العمومية.

وتحتاج الحكومة إلى أن تشعر بخطورة المرحلة، خاصة أن قانون المالية ستكون نتائجه قاسية على الناس، والأحرى أن تتحرك الحكومة للتحكم في الإنفاق العام، وأن يطال التقشف مختلف الوزارات، بما في ذلك رئاسة الوزراء والإدارات الحكومية المختلفة، وفرض تقشف حقيقي على السيارات الإدارية وكوبونات البنزين حتى يشعر التونسيون أن التقشف هو توجه رسمي حقيقي، وليس فقط تحميل المواطن أعباء إضافية، وكأنه هو الوحيد المعني بحل الأزمة.

العرب