السلطة والرأسمالية الجديدة في الصين

السلطة والرأسمالية الجديدة في الصين

الصين
ليس عجيباً أن يلقى العالم الاقتصادي الفرنسي، توماس بيكيتي، استقبالاً حماسيّاً في زيارته بكين في نوفمبر/تشرين الثاني 2014. فالموضوع يلقى هوى في آذان الصينيين، خصوصاً وأن بيكيتي يقدّم البرهان على أن الغرب، السريع عادة في إعطاء الدروس، والذي يحظى بتقدير كبير من قسم من النخب الصينية، لا يفعل خيراً من الصين، حيث الفوارق في المداخيل لم تكن يوماً بمثل هذا الاتّساع واللامساواة، غير أن الاحتمال ضئيل في أن تكون المقارنة كافية لتهدئة الاستياءات المرتبطة بهذه الظُلامات.
بيد أن موارد الصينيين زادت، منذ تلك الفترة. ولكن، ليس بالوتيرة نفسها بالنسبة إلى الجميع في بلاد كونفوشيوس. ويكفي أن يتنقل المرء من الشرق الصيني إلى غربه، أي من كانتون أو شانغهاي إلى حدود كازاخستان في الكسينجيانغ ليلحظ الفروق الهائلة في مستوى المعيشـة بين السـاحل المتقدم التنمية والداخل الذي ما يزال يجرجر الخطى إلى الخلف. وهكذا، فإن دخل الفرد في كينغهي، إحدى أفقر المقاطعات الصينية في وسط البلاد، هو أدنى بـ 32 مرّة من دخل الفرد في كوانغدونغ على الساحل الجنوبي، الذي يجمع قسماً كبيراً من المصانع المُصدّرة. وفي شـانغهاي، يعيش الناس، كمـا في باريس، لكن سكان بعض قرى الريف، بالكاد تصل إليهم “نعمة الكهرباء”.

رشى للحصول على المأمول
على الرغم من الدينامية الاجتماعية التي قلّ نظيرها في الصين منذ 30 عاماً، فإن للصعود الاجتماعي إخفاقاته. ليس العمل في الأرياف قليل الأجر وحسب، بل إن الخدمات والتجهيزات الجماعية متردّية، خصوصاً في التعليم؛ حيث يحتاج التلميذ، أحياناً، إلى السير بضعة كيلومترات على الأقدام، قبل الوصول إلى المدرسة. والكليات والجامعات في الريف متدنّية المستولى والتقييم، كمـا أن من المستحيل الوصول إلى الجامعات الشهيرة في المدن الكبرى. هذا في الوقت الذي تظلّ فيه شهادة الدبلوم إحـدى وسائل الصعود الاجتماعي. وإذا كان 27% من الشبّان الصينيين المدنيين ممن تزيد أعمارهم عن 18 عاماً، كانوا يتابعون دراسة جامعية في العام 2012، فإن 7% من الريفيين يملكون هذا الحظ فقط.

باتت الفوارق الطبقية الحالية في الصين لا تُطاق، وإلى حـدّ أن الجمعية الوطنية الشعبية (بمثابة غرفة الشكاوى الرسمية المقدمة من الناس، ويجتمع أعضاؤها مرّة في السنة) قـد ارتجّت من رجع أصوات مندوبي مقاطعة هنان الريفية، في الوسط الشرقي من البلاد: “نريد معاملة أكثر مسـاواة للطلاب”، كما أعلن أحدهم، ويدعى لي غوانغيو، وهي عبارة تستعيدها صحيفة داهي نيوز المحلية، قبل أن تضيف: “الدائرة المفرغة مستمرة. خـيرٌ لك أن تولـد في المدينة من أن تولـد في الريف، وأن تولـد في بكين من أن تولـد في هنان”. هناك “كوتا” تتيح لبعض الطلاب الريفيين أن يلتحقوا بمؤسسات التعليم العالي في المدن الكبرى، مثل بكين وشـانغهاي، لكن عددهم محدود جداً، ولا بـدّ، في أحيانٍ كثيرة، من تقديم رشىً للأسـاتذة أو للمتنفذين الحزبيين للحصول على المأمول.

جيش المهاجرين للعمل في المدن
لا تزال زيادة المواليد في الريف الصيني تشكّل عائقاً اجتماعياً، يجرجره المـرء هناك طوال حياته. ليس إبّان الدراسة فقط، وإنما في أمور حياتية مهمة أخرى. فالريفيون الذين يذهبون إلى العمل في المدينة، يزيدون في انتفاخ جيش المهاجرين (أو المينغونغ) كما يسمّونهم. إنهم لا يستفيدون من الامتيازات نفسها التي يتمتع بها الذين ولدوا في المدينة؛ فبعض الحقوق يرتبط، في الواقع، بمكان الولادة المسجّل على بطاقة الإقامة، أو الهوكو. ليس مرخّصاً لعائلات المهاجرين إرسال أولادهم إلى المدارس العموميّة؛ ولا حق لها بسكن اجتماعي، ولا بالتطبب في مراكز التداوي العموميّة. أبناء المهاجرين عرضة للتجاهل، اللهم إلاّ أن يشغل ذووهم وظائف مرموقة، ويستطيعون أن يدفعوا، عبر قنوات الفساد، الثمن من أجل الحصول على هوكو، أي على سند إقامةٍ آخـر، وإدخال الأطفال إلى المدرسة.. إلـخ. أمّـا الآخـرون، فإنهم محرومون من كلّ شيء، ولا يسعهم أن يشغلوا وظيفة جيدة، ولا أن يفاتحوا في مسـألة الانضمام إلى الحزب الشيوعي الصيني، وهـو عامل ترقٍ آخـر. يبقى أبنـاء المهاجرين مهاجرين. والظاهرة ليست هامشية، ذلك أن الصين تضمّ رسـمياً 235 مليونا منهم، بل وربما أكثر من ذلك بكثير.
إذا كان الجيل الأوّل قـد قبلَ بهذا الوضع، الذي كان، على كلّ حال، خيراً ممّا هو عليه في القرية، فإن الجيل الثاني الذي هـو أوفر تعليماً وأفضل تنظيماً، يناضل بانتظام من أجل الحصول على شروط معيشة لائقة. لم يسبق للحركات الاجتماعية في الصين أن كانت بمثل هذه الأهميّة، كما تروي منظمة نشرة العمل الصيني غير الحكومية في يناير/كانون الثاني 2015. الرئيس جين بينغ الذي هو على رأس السلطة في البلاد منذ مارس/آذار 2013، أعلن، في نوفمبر/تشرين الثاني من السنة نفسها، مشروع إصلاح واسع للهوكو.. لا يزال وعـداً ينتظر التنفيذ، غير أن مهاجرين كثيرين لن يعودوا للإقامة في قراهم، في حين أن الجمود قد يكون أشـدّ خطراً بالنسبة إلى القادة الصينيين من الإصلاح على مراحل.
وقد أجريت بعض التجارب لتخفيف الإجراءات، لكن السلطات تتردّد وتسعى إلى تلافي عقبات عدّة. فهي تخشى أن ترى، إذا مـا ألغت الهوكو، طوابير الريفيين (47,3% من الأهالي) يتدفّقون على المدن، ويشكّلون مدناً صفيحية على الطريقة الهندية (كما في بومباي).

حيتان المال في السلطة
على الطـرف الآخـر، الأمـور على خـير مـا يرام، إذ لم يسبق لأغنياء صينيين فوق العادة أن كانوا بمثل هذا العدد الكبير، وبمثل هذا الغنى الفاحش. ووفقـاً للائحة التي أعدّتها مجلة “فوربس” الأميركية في 2015، فإن في الصين 273 مليارديراً، أي بزيادة 71 مليارديرا عن العام 2014. وهكـذا، فإن الصين احتلت، فيما خصّ أصحاب مليارات الدولارات، المرتبة الثانية، وراء الولايات المتحدة مباشرة.
وبطبيعة الحـال، للفاحشي الثراء مداخلهم الكبرى والصغرى على دوائر السلطات العليا، فثمـّة في الجمعية الوطنية الشعبية، 31 مليارديراً بين أعضاء هذا البرلمان الذي تعداد أعضائه 2987 مندوباً. وهناك 52 من أصحاب المليارات في المؤتمر الاستشـاري السياسي للشعب الصيني (CCPPC) الغرفة الثانية، أو المجلس الثاني الذي ينعقد في فترة انعقاد المجلس الأول نفسها. ولطالمـا اعتبر حضور أصحاب المليارات هذا عـلامة حـداثة وتقدم وتكريس لطبقة فلكية غير مسبوقة في الصين الشعبية.

هكذا، فإن غطرسة الأغنيـاء، وخصوصاً من هم في السلطة مع أبنائهم، تثير حنق الجماعات الصينية الأخرى، وإلى حـدّ تهديد الاسـتقرار الاجتماعي، وحتى استمرار الحزب الشيوعي الصيني نفسه. ووفقاً لاستطلاع رأي، أجري في العام 2013، “فإن أبناء كوادر الدولة أو الحزب، يقبضون في أوّل عمل يقومون به، 15% أكثر من أبنـاء الشعب. وقـد سبق لمجلة العلم الأحمـر، وهي مجلة الحزب الشيوعي الصيني النظرية، أن ندّدت قبل سنوات “بأبناء كوادر الحـزب الذين يعتبرون أنفسهم فئة مختارة، مفصولة عن عامّة الناس في ملبسها ومأكلها وعملها وتربيتها”.
مع الفريق الحاكم، ومع لجنة الانضباط المركزية في الحزب الشيوعي الصيني، المرهوبة الجانب، شـنّ الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عملية واسعة ضدّ الفساد الذي يفاقم من الطبقية الرأسمالية الجديدة، ويغذّي حنق الشعب وغضبه، ووعـد بطرد “النمـور والذباب”؛ ثم راح ينفّذ مهمّته. وهكذا فقـد جرت منذ العام 2013، معاقبة مـا لا يقلّ عن 230000 من الكوادر (الذباب) وضرب خمسين من النمـور، بينهم الرئيس السـابق لخطوط سكة الحديد، وبعض مسؤولي القطاعات النفطية والمنجمية والمصرفية، وكذلك بعض رؤساء المجالس، أو الرؤساء الحزبيون في المقاطعات. وهكذا، فإن من كانوا، أمس، شخصيات لا تمسّ، ككبار الضباط مثلاً، باتوا، الآن، في مرمى التصويب؛ فهذا مثلاً حال الجنرال كسو كيهو، الشخصية العليا، الثانية في اللجنة العسكرية المركزية، بل إن الرئيس جين بينغ أطاح أكبر المحرّمات، تصدّى لعضو في اللجنة الدائمة للحزب الشيوعي الصيني الحاكم زهو يونغكانغ، البالغ القوّة والنفوذ، رئيس جهاز الأمن حتّى العام 2012، أي رجل الملفات، والضربات المدبّرة.
واغتنم الرئيس الصيني فرصة هذه الضربات القوية التي قام بها لترسيخ انطباعات إيجابيّة في ذاكرة الشعب، بغية التخلص من بعض خصومه العنيدين. وكان هذا هو حال زهو الذي اتّهم في ديسـمبر/كانون أول 2014 بالفساد و”تسريب أسرار الدولة”، وكان مقرّباً من الكاريزماتي، بو كسيله، منافس الرئيس جين بينغ الشهير، الذي جرى توقيفه مباشرة في مارس/آذار 2012، قبل مؤتمر الحزب الثامن عشر الذي حمل الرئيس الحالي إلى السلطة، ثم ألقاه في السجن، هو الآخـر، بتهمة الفسـاد. والشعب الصيني يهمّه أن يتصدّى قادته للفسـاد الذي يخرّب عليهم حياتهم الراهنة والمستقبلية.

الأثـريــاء ومغادرة البلاد
يأمل الرئيس الصيني، وهـو يتقمّص شخصية “السيد النظيف”، أن يعيـد البهاء إلى صورة الحزب الشيوعي الصيني، وأن يطيل في أمـد نظام الحزب الواحد. وليس مسـتبعداً كذلك أن يفيد هذا بتذكير النخب بالميثاق الذي يربطها بالسلطة: حريّة الإثـراء مقابل الاعتراف بدور الحزب الشيوعي الصيني وبالتنمية القوميّة.
والحال أن كثيراً مـا جرى امتداح الوطنية الاقتصادية التي يتحلّى بها الشبان. وثمّة قياديون معروفون جيد المعرفة، مثل مـا يون الذي يطلق عليه اسم “جاك مـا” رئيس موقع التجارة على الخط الإلكتروني علي بابا، ومـا هواتنغ، وهـو رئيس العملاق العنكبوتي (الإنترنت) أو العملاق الآخـر تنسنت، أو لاي جون، مؤسّس صناعة هواتف كسياومي الذكية، ممن أنجزوا دراستهم في الغرب، وفي الولايات المتحدة غالباً، لكنهم اختاروا العودة إلى البلاد من أجل الأعمال.
والحـال أن جانباً من النُخب لم يعد يلعب لعبة السلطات. فوفقاً لمجلة هورون ريبورت (نظيرة فوربس الأميركية)، غادر 64% من أصحاب الملايين الصينيين البلاد، أو أنهم في طريقهم إلى المغادرة. والأسباب هي: التربية، التلوث، والأمن الغذائي.. وهي شـواغل ثلاثة حادّة جداً لدى شرائح واسعة من أهالي المدن، غير أنه يمكن أن نستشفّ، وراء هذه الاعتبارات النبيلة، محـاذرة مـا للسلطات وخشية وتصميماً قاطعاً على حماية مدّخراتهم المالية، بل وتبييض بعض المداخيل. ووفقاً لمـا كشفته المجموعة الدولية لصحافيي الاستقصاءات، فإن العائلات الكبرى للقادة الصينيين (القدامى أو الحاليون)، “الأمـراء الحمـر” كما يطلق الصينيون عليهم، راكموا ثرواتٍ هائلة، استقرّ بعضها في الجنان الضريبية. وبين هـؤلاء صهـر كسي جينبنغ، أو ابن سلفه هو جينتاو.
خلال ستة عشر شهراً (بين يناير/كانون الثاني 2013، ومارس/آذار 2014) مثـَّل مشـتـرو الصين القاريّة (أو البر الصيني) قرابة ربع المشترين الأجانب لعقارات الإقامة والسكن، أي ما يمثّل حوالي 22 مليار دولار من المشتريات العقارية، كما كشفت ذلك صحيفة فايننشال تايمز اللندنية في 25 فبراير/شباط 2015، بالاستناد إلى شـهادة الجمعية الوطنية لوكلاء الوكالات العقارية. وعلى هذا، فإن محط الرحال هو الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأسـتراليا، فهي أكثر الأماكن المقصودة.
لكن المشتريات العقارية الصينية كثرت أيضاً في هونغ كونغ وسنغافورة، بحيث أن الاثنتين قررتا فرض رسوم لتقليص حجم المشتريات. أمـّا أسـتراليا التي رأت هذه ترتفع بنسبة 60% في السنة المنصرمة، فإنها تستعد لتحذو حذوها. ووفقاً لصحيفة هورون، فإن 20% من أصول أصحاب الملايين الصينيين موجودة في الخارج. وهذه ليست عمليّة، فلينجُ كل من استطاع بنفسه، لكنها نذير يثير قلق السلطات الصينية.

أحمد فرحات
صحيفة العربي الجديد