لغة صينية يسهل فهمها على الأصدقاء

لغة صينية يسهل فهمها على الأصدقاء

الصين

يقارن العديد من المؤرخين بين صعود الصين راهنياً وصعود قوى عظمى سابقاً إبان مراحل التغيير في موازين القوى الدولية. البعض منهم يقارن بين صعود الصين اليوم وصعود الولايات المتحدة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. الخطوة الأولى في ذلك الصعود كانت يوم انتزعت الولايات الأمريكية الثائرة ضد حكومة لندن استقلالها. هذه الخطوة لم تتم سلماً بل بالحرب، أما بقية الرحلة فغلب عليها الطابع السلمي. أي أن بريطانيا كثيراً ما كانت تسعى إلى إشراك الولايات المتحدة في الحروب والمعارك التي تخوضها رغم أن هذا النهج كان ينطوي على خطر انفتاح شهية أمريكا للاستحواذ على المستعمرات ومناطق النفوذ. ولكن بين أن تخسر بريطانيا هذه المناطق فتذهب إلى «الآخرين» مثل الفرنسيين والألمان والروس، وبين أن تخسرها بحيث تتحول إلى جزء مما يدعى ب«الشتات الانجليزي» الذي يضم فضلاً عن بريطانيا الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، نيوزيلندا، إفريقيا الجنوبية، وهونغ كونغ، آثر البريطانيون الحل الثاني وهكذا وصف انتقال القوة العظمى من لندن إلى واشنطن بأنه كان أقرب إلى «التسلم والتسليم» من الانتقال الذي تحتمه الهزيمة العسكرية، أو الشعور بالانهزام.
خلافاً لهذه الصورة فإن انتقال مركز الثقل القاري من لندن إلى برلين هو حصيلة الحربين العالميتين، وكلف القارة والعالم خسائر يصعب تقدير مداها. فبريطانيا لبثت تقاوم بشدة وعناد مشاريع ألمانيا للسيطرة على القارة. وحتى عندما أرسلت برلين إلى لندن رسولاً يحمل إليها مشروعا تعترف فيه ألمانيا لبريطانيا بسيطرتها غير المحدودة على المستعمرات والممتلكات خارج الأراضي الأوروبية مقابل إطلاق يد ألمانيا في أوروبا الوسطى والشرقية، رفض الزعماء البريطانيون مجرد البحث في هذا العرض.
إن بعض المؤرخين وعلماء السياسة يرقب التغير الدولي الحثيث في موازين القوى والثروة خاصة بين الولايات المتحدة والصين ويقارن بين متغيرات القرن العشرين وما يشهده العالم اليوم من تطورات. إن الكثير من هؤلاء ينتمون إلى مدرسة «الانحداريين» التي ترى بأن الزعامة الأمريكية تسير على طريق الانحدار. ويرى البعض من هؤلاء أنه على الولايات المتحدة أن تتكيف مع هذا الواقع. والتكيف مع الواقع اليوم يعني أن تقبل بصعود الصين كما انصاعت بريطانيا بل ورحبت في بعض الأحيان بصعود الولايات المتحدة إلى قمة الهرم الدولي.
إن الأمر ليس بهذه السهولة، ذلك أن بريطانيا والولايات المتحدة ينتميان إلى الشتات الانجليزي والعالم الانجلو-سكسوني، أما بين الصين والولايات المتحدة فلا توجد مثل هذه الهوية الجامعة. فضلاً عن ذلك ليس هناك مؤشر واضح على أن النخبة الأمريكية السياسية هي على استعداد للتسليم بانتقال مقاليد الزعامة الدولية من الولايات المتحدة إلى بلد آخر كما فعلت النخبة السياسية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية. بل إن قسماً كبيراً من هذه النخبة لا يتمسك بتبوؤ بلاده مركز القوة العظمى فحسب، بل يرفض أن يكون لها شركاء في هذا المركز ويصر على أن الولايات المتحدة هي «الامبراطورية الرومانية المعاصرة» وعلى أنها القوة العظمى من دون منازع.
وإذ يعتقد هؤلاء بأنه على الولايات المتحدة أن تحصن نفسها ضد أية قوة تفكر في منازعتها على مركز الزعامة، فإنهم يعتقدون أنه على الدول الأخرى التي قد تساورها مثل هذه التطلعات أن تتخلى كليا عنها وأن تتبع سياسة حذرة ومرنة لئلا تتسبب في وقوع الكوارث والحروب الدولية. ويقدم هؤلاء نصحهم إلى الصين بصورة خاصة. وفي تقدير الناصحين أنه يترتب على أن تبدي حساسية فائقة تجاه ردود الفعل الخارجية على مشاريعها التسلحية، وأن تتأكد من أن حسن النية تجاهها أكبر بما لا يقاس من قوتها العسكرية، وأن تعمد إلى فض المشاكل مع الجوار منذ بداياتها بدلاً من تأجيجها، وأن تكبح الدعوات والنظرات والدعوات القومية الصينية المتطرفة، وأن تزيد من مساهماتها في المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
إن مقررات المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني الذي أنهى جلساته قبل أيام قليلة حفلت بإشارات كثيرة تدل على يقظة القيادة الصينية. مقررات المؤتمر لا تتضمن أياً من النصائح الواردة أعلاه، ولكنها تنطق بوعي عال لأوضاع المجتمع الدولي ولمخاطر الإبحار في المحيطات المضطربة. وهي تتمسك بسياسة التنمية السلمية والحرص على عدم الانجرار إلى أي نهج او مسار يعرقل النهضة الصينية. ففي تحديد الأهداف التي يطمح الحزب إلى تحقيقها، احتل هدف تحديث الدفاع الصيني المرتبة التاسعة بعد الارتقاء بالاقتصاد وتسريع التنمية والمضي بالإصلاح السياسي وإعلاء الشأن الثقافي ومواصلة البناء الاجتماعي والحضاري وتطوير الاهتمام بالأوضاع الإيكولوجية. وهذا الترتيب لا يخلو من الدلالات أنه إشارة مهمة على أن الصين تعتزم تحقيق نهضتها سلماً وليس عن طريق الحروب. وما يختاره الصينيون لأنفسهم يختارونه للجيران والأصدقاء وللشعوب والأمم التي تتوق إلى التقدم وإلى المشاركة في بناء أسرة دولية تسودها مبادئ العدالة وقيم المساواة والحرية.
ولقد رسم المؤتمر خيارات الصين العامة، ولكن في سياق التحضير للمؤتمر وقبيل الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى البلاد العربية وضعت القيادة الصينية ورقة لسياستها العربية تضمنت تأكيداً صينياً على دعم المصالح والتطلعات العربية. فشددت على رغبة الصين في تطوير التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني مع الدول العربية. وفي كل مجال من هذه المجالات، حرصت الورقة على التعبير عن الدعم الصيني للمقاربة الإقليمية العربية المتمثلة بمؤسسات العمل العربي المشترك وخاصة جامعة الدول العربية، وعلى ترحيبها بالتعاون مع المنظمات الإقليمية الفرعية في إطار التعاون مع الجماعة العربية. وأكدت الورقة تأييد الصين لقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.
لو طلب إلى فرد أو جماعة عربية صياغة مجموعة اقتراحات إلى القيادة الصينية بصدد التعاون بين الصين والدول العربية لما وضعوا ورقة أفضل من هذه الورقة. إن انعقاد المؤتمر الثامن عشر للحزب الحاكم في الصين سوف يعزز فاعليته وينمي طاقة الدولة الصينية ومشاريعها في شتى المجالات. المأمول أن تشمل نتائج المؤتمر الإيجابية سياسة الصين العربية ومشاريعها في المنطقة العربية. إنها سياسة تعد بالسلام وتسعى إليه، وهي تخاطب العرب بلغة الأصدقاء وهي لغة يسهل فهمها واستيعاب معانيها، فمن الطبيعي أن يتمنى المرء لها ولأصحابها النجاح.

رغيد الصلح

صحيفة الخليج