رسائل أميركية تمهد لتنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل

رسائل أميركية تمهد لتنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل

رغم رفض الولايات المتحدة طلب إسرائيل، فرض عقوبات على لبنان والجيش اللبناني، حتى يتحملا مسؤولية أنفاق حزب الله التي أكدت قوات اليونيفيل وجودها على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، ورغم تأكيد إسرائيل عبر رسائل أميركية إلى الرئيس اللبناني ميشال عون أنه ليست لديها نوايا عدائية تجاه لبنان. إلا أن التسويات القادمة للمنطقة لن تستثني خيار التصعيد العسكري في لبنان لإجبار إيران على العودة إلى طريق التفاوض في ما يخص الملف السوري، حيث حصلت إسرائيل على الضوء الأخضر لاستخدام القوة النارية في معرض البحث عن تسويات كبرى تطال كامل الملف الإيراني في الشرق الأوسط.

بيروت – يحاول الرئيس اللبناني ميشال عون أن يجنب بلاده أي ممارسات يمكن أن تؤدي إلى توتير الوضع على الحدود مع إسرائيل، غير أن تأكيد اليونيفيل على وجود أنفاق لحزب الله على الحدود اللبنانية الإسرائيلية يضع النظام اللبناني ككل في موقف صعب، وقد يتطور إلى احتمال نشوب حرب على لبنان.

وقالت مصادر سياسية لبنانية إن ما أعلنه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، عن رسائل إسرائيلية وصلت إلى بيروت عن طريق واشنطن، لم يطمئن الداخل اللبناني الذي يخشى احتمال نشوب حرب كبرى تستهدف لبنان والبنية العسكرية لحزب الله، ويرى أن أجندة إسرائيل العسكرية وأجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السياسية قد تفجران حربا لطالما اعتبرتها تل أبيب حتمية لحماية أمنها الاستراتيجي.

وكشف عون، الثلاثاء، عن أن إسرائيل أبلغت لبنان “بأن لا نوايا عدائية لديها”. وأوضح الرئيس اللبناني أن “إسرائيل أبلغتنا بواسطة واشنطن بأن لا نوايا عدائية لديها، ونحن لا نوايا عدائية لدينا، ولذلك لا خطر على السلام”. من جهته قلل رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الأربعاء، من أمر التصعيد الإسرائيلي قائلا “إننا ما زلنا ننتظر الإحداثيات ولم يصل إلينا شيء من هذا القبيل”.

ولاحظ المراقبون صمت حزب الله إزاء التحركات الإسرائيلية على الحدود الجنوبية للبنان، وتجنبه التعليق عن دوره في مسألة حفر الأنفاق العابرة للحدود نحو شمال إسرائيل. ولفت هؤلاء إلى أن حزب الله يقارب أزمة الأنفاق بهدوء وبردود إعلامية غير مباشرة، تركّز على الظروف العادية للحياة اليومية لأهل المناطق الجنوبية الذين يشكلون الخزّان البشري لقواته العسكرية وبيئته الشعبية في لبنان.

تل أبيب تراكم الملفات لدى المحافل الدولية، وتحضّر البيئة الدولية لاحتمال {اضطرار} إسرائيل إلى القيام بعملية عسكرية لحماية أمنها الاستراتيجي

ونُقل عن مقربين من حزب الله أن الحزب يحاول طمأنة جمهوره قبل أن يطمئن اللبنانيين إلى عدم نيته التصعيد وعدم وجود خطط لديه لشنّ حرب ضد إسرائيل أو استدراج مواجهة معها على غرار ما حصل في يونيو عام 2006. ويعتقد أن حزب الله لا يود استهلاك “انتصاراته” في سوريا من خلال حرب غير مضمونة النتائج داخل السياق الدولي الراهن.

وترى مصادر دبلوماسية في بيروت أن أزمة الأنفاق التي فجرها نتنياهو، والتي مهد لها بتبرير موافقته على إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار مع حركة حماس في قطاع غزة منتصف نوفمبر الماضي، تشبه تماما خطابات التهديد والتهويل التي يطلقها أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، من حيث طابعها التعبوي وأهدافها المحلية وطابعها الإعلامي.

وتقول هذه المصادر أن لإسرائيل من جهة، ولحزب الله وإيران من جهة ثانية، مصلحة مشتركة في تبادل الاتهامات وتبادل التهويل بالصدام على أرضية التحولات المتوقعة في المنطقة.

وتوضح المصادر أنه في لحظة المواجهة الحاصلة بين الولايات المتحدة وإيران، وفي لحظة العقوبات غير المسبوقة التي تفرضها واشنطن على طهران وحزب الله، فإن فتح خطوط التفاوض المتوقعة عام 2019، يفرض على كافة الأطراف تقديم أوراق قوية للمقايضة الكبرى. وترى المصادر أن لإسرائيل مصلحة في فتح ملف الحدود الشمالية، ولا سيما مع لبنان، وبشكل يومي ضاغط، لإدخال بند رئيسي داخل أي تسويات محتملة.

تقليص النفوذ الإيراني

تؤكد المصادر أن إيران التي يتعرّض نفوذها في العراق وسوريا لمنافسة شراكات مختلفة، لا سيما من قبل الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، فإنها حريصة على التخلص من أي شراكات تهدد نفوذها في لبنان. وتشير المصادر إلى أن الأداة العسكرية لإيران التي يمثّلها حزب الله في لبنان، تعمل على تعظيم نفوذ طهران في هذا البلد، ليس فقط من خلال التلويح الدائم بالقوة العسكرية، الصاروخية خصوصا، للحزب في لبنان، بل من خلال تعظيم نفوذ الحزب السياسي وقدرته على الهيمنة على القرار السياسي داخل النظام السياسي اللبناني.

وتلتقي بعض التحليلات مع معلومات المصادر الدبلوماسية، من حيث أن عقدة “سنّة 8 آذار” أو “سنة حزب الله” التي أعلن عنها نصرالله فجأة الشهر الماضي، تهدف إلى بعث رسائل قوية للطبقة السياسية اللبنانية كما للأطراف المعنية الدولية، بأن الحزب يمتلك مفاتيح الحكم والحكومة في البلد، وأن أي مفاوضات مقبلة محتملة بين واشنطن وطهران يجب أن تأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار.

وتقول بعض المعلومات إن الرسائل الأميركية التي أعلن عنها الرئيس عون حول التوتر على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، تمثل في جانب منها تدخلا أميركيا مبكرا في ما يمكن أن يتحول لاحقا إلى عملية سياسية دقيقة تعيد تنظيم العلاقة بين لبنان وإسرائيل، وتفصح عن أن لبنان سيكون ملفا أساسيا على طاولة المفاوضات الأميركية الإيرانية من ضمن سعي واشنطن إلى تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة برمتها.

ودعا مراقبون إلى تأمل المشهد بشكل أوسع من تفصيل التصعيد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. ورأى هؤلاء أن كافة ميادين النفوذ الإيراني في العالم العربي ستشهد إعادة تموضع للأطراف المعنية، وأن إرهاصات هذا الأمر، إضافة إلى لبنان، بدأت تظهر في العراق وسوريا، وأن مسار المفاوضات حول اليمن، والذي بوشر في السويد، يمثل نموذجا للكيفية التي سيقارب بها المجتمع الدولي الأزمات التي تقف طهران، كليا أو جزئيا، وراء استعارها.

ملفات التفاوض بين إيران والمجتمع الدولي، الذي سيجتمع عاجلا أم آجلا على مطالبة طهران بمراجعة الاتفاق النووي والبرنامج الصاروخي، قد تتطلب جراحات عسكرية جديدة في لبنان

وتتحدث بعض المعلومات عن أن الحملة التي أطلقتها إسرائيل لكشف أنفاق حزب الله داخل المناطق الشمالية، لا تخضع فقط لأجندة نتنياهو السياسية الداخلية. وتكشف المعلومات أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ليست طيّعة في الالتحاق بأهواء رئيس الوزراء أو تقديم خدمات لحمايته، بل إن أجهزة المخابرات العسكرية تملك من المعطيات ما يجعلها تبادر إلى الدفع لاتخاذ التدابير العسكرية الملائمة.

وجدد نتنياهو، مطلبه من قوة حفظ السلام المؤقتة التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل) العاملة في جنوب لبنان، بتدمير الأنفاق التي تقول إسرائيل إن حزب الله اللبناني حفرها على الحدود بين إسرائيل ولبنان. وقال خلال استقباله،الأربعاء، نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفتي “قائد اليونيفيل هو إيطالي ونعتقد أنه يجب على قوات اليونيفيل أن تلعب دورا أكثر قوة وإصرارا ولكن في نهاية المطاف هذه المسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي”، مضيفا “يجب على قوات اليونيفيل أن تمنع حزب الله من القيام بأعمال عدائية ضد إسرائيل”.

وتأتي مسألة الأنفاق معطوفة على مسائل أخرى قد أثارها نتنياهو منذ خطابه من على منبر الأمم المتحدة أثناء الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للمنظمة في سبتمبر الماضي.

فقد أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي مسألة وجود مصانع لتطوير الصواريخ في لبنان كما وجود مثل هذه المصانع والمستودعات بالقرب من مطار بيروت الدولي. ولئن اصطحب وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، السفراء الأجانب في لبنان لإطلاعهم على خلو منطقة المطار من أي مواقع عسكرية زعمت بوجودها إسرائيل، إلا أن تل أبيب تراكم الملفات لدى المحافل الدولية، وتحضّر البيئة الدولية لاحتمال “اضطرار” إسرائيل إلى القيام بعملية عسكرية لحماية أمنها الاستراتيجي.

التصعيد العسكري

تقول مصادر إسرائيلية مراقبة إن تل أبيب حصلت منذ سنين على ضوء أخضر دولي يبيح لها التحرك عسكريا لضرب أي خطر من إيران أو حزب الله أو النظام السوري على أمن إسرائيل. وأضافت أن هذا الضوء ما زال أخضر، حتى من قبل روسيا، على الرغم من التوتر الذي ساد العلاقات الروسية الإسرائيلية إثر حادث سقوط طائرة عسكرية روسية في مياه اللاذقية شمال سوريا، في سبتمبر الماضي، قالت موسكو إن الطيران الإسرائيلي تسبب به.

ونقلت الأنباء عن مصادر من موسكو أن وفدا عسكريا إسرائيليا ناقش الأربعاء مع نظراء روس الوضع في سوريا وفي الشرق الأوسط برمته. ويعتبر هذا الاجتماع الأول من نوعه بعد إسقاط الطائرة إيل-20 الروسية. فيما أكدت مصادر في تل أبيب أن التعاون بين البلدين، في الشهرين الأخيرين، استمر بطريقة أو بأخرى، لذلك فإن هذا الاجتماع لا يعد بتحول جادّ. وشددت هذه المصادر على أن انعقاد الاجتماع مهم للغاية، فذلك يعني أن الطرفين يظهران الرغبة في مواصلة التعاون.

وتعتبر هذه المصادر أن المناورة الإسرائيلية الكبرى في مسألة أنفاق حزب الله، والتي تشارك فيها المؤسسات العسكرية والأمنية والإعلامية والدبلوماسية، هدفها الحصول على تأييد دولي عام، قد يرتقي إلى موقف في مجلس الأمن الدولي يدين لبنان لانتهاكه قرار مجلس الأمن رقم 1701، ما يمهد الطريق لاحقا إلى اكتساب شرعية لشنّ حرب رادعة ضد البنية التحتية العسكرية لحزب الله.

وحذر وزير الإسكان الإسرائيلي يواف غلانت، الأربعاء، من أن بلاده “ستخلع القفازات إذا هاجمها حزب الله، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من أبعاد”. وأكد أن بلاده ستحمل لبنان المسؤولية الكاملة عن عواقب الحرب، لأنه “لا يمكن الفصل بين تصرفات قيادة لبنان وتصرف حزب الله الذي تدير إيران عبره الدولة اللبنانية”.

بالمقابل اعتبر وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، في تصريحات له على هامش مؤتمر اقتصادي للشراكة الاقتصادية مع لبنان عقد في لندن الأربعاء، أن لبنان بلد محب للسلام، وقد تحمّل حروب الآخرين على أرضه، وكان دائما المعتدى عليه وليس المعتدي، وطالما احترم القرارات الدولية، وهو ملتزم بالقرار 1701، ويعمل من أجل السلام والاستقرار.

غير أن بعض المتابعين لحركة التحولات المقبلة في المنطقة يرون أن احتمالات الحرب هي جزء لا يتجزأ من مداولات التسويات المفترضة.

ويقول هؤلاء إن ملفات التفاوض بين إيران والمجتمع الدولي، الذي سيجتمع عاجلا أم آجلا على مطالبة طهران بمراجعة الاتفاق النووي والبرنامج الصاروخي وملف النفوذ الإقليمي لإيران، قد تتطلب جراحات عسكرية، بوشرت منذ سنوات في سوريا ضد المواقع العسكرية لإيران وميليشياتها، وقد تحتاج إلى أخرى شاملة تطال حزب الله في لبنان.

وتلفت بعض المصادر المطلعة إلى أن معركة الحديدة في اليمن، والتي لم تمانع العواصم الدولية الكبرى المعنية بالشأن اليمني بشنها من قبل القوات الشرعية اليمنية والتحالف العربي، هي من أجبر جماعة الحوثي على التوجه إلى السويد للمشاركة في المشاورات المتعلقة بالتسوية اليمنية. بمعنى أن العصا الغليظة النارية هي التي مهدت لإمكانية سلوك معبر التفاوض. وترى المصادر أن إسرائيل قد تتمتع يوما بغطاء دولي يتيح لها استخدام القوة النارية في معرض البحث عن تسويات كبرى تطال كامل الملف الإيراني في الشرق الأوسط.

ويلفت تقرير صادر عن “معهد واشنطن” إلى أن إيران تستعد للتأقلم لاحقا مع الضغوط الدولية المرتبطة بمستقبل سوريا، وأنها بالنهاية لن تستطيع أن تعاند إلى أجل غير مسمى التوجه الأميركي الأوروبي الروسي لإيجاد تسوية سياسية في سوريا كما أنها لن تستطيع مواجهة متطلبات الأمن الاستراتيجي الإسرائيلي وقواعده السورية. غير أن التقرير يعتبر أن إيران تنقل ترسانتها الصاروخية الدقيقة التصويب من الداخل السوري إلى الداخل اللبناني، وأن إيران تعتبر أن الدفاع عن القوة الصاروخية سيكون أسهل داخل التعقيد اللبناني الجغرافي والسياسي منه في سوريا.

 

العرب

Print Friendly, PDF & Email