المعضلة اليمنية بعد جنيف

المعضلة اليمنية بعد جنيف

438

أخفقت اجتماعات جنيف في تحقيق أي تقدم على طريق التسوية السياسية للمعضلة اليمنية، وقد يكون سوء الإعداد مسؤولاً جزئياً عن هذا الإخفاق ولكن دلالته الواضحة أن العمليات العسكرية ضد الحوثيين لم تكن كافية لإحداث تغيير في سلوكهم، فالحوثيون ما زالوا في مواقعهم وما زالت الأسلحة التي استولوا عليها بأيديهم، وما زالت المقاومة المضادة للحوثيين صامدة ولكنها في الوقت نفسه غير قادرة على الحسم. ويقولون إن المبعوث الأممي يركز الآن على التوصل لوقف إطلاق نار مستقر، وقد يبدو هذا للوهلة الأولى سهلاً ولكنه لا يقل صعوبة عن التوصل إلى التسوية المفقودة، وذلك لأن خطوط الاشتباكات متماسّة في مدن ومواقع عديدة. وفي هذه الظروف يحتاج تأمين وقف إطلاق النار إلى أعداد هائلة من المراقبين وقوات حفظ السلام، خاصة أن سوابق الحوثيين في احترام الاتفاقات لا تبشر بأدنى خير. وكذلك فإن التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حد ذاته لا يعني أي بادرة إيجابية بالنسبة لمسار التسوية ما لم تسبقه ترتيبات انسحاب من عدد من المدن والمواقع على الأقل، وتسليم كميات من الأسلحة، وهي ترتيبات ينطوي التوصل إليها على تعقيدات هائلة.

ويعني ما سبق للأسف أن مسار التسوية السياسية ما زال بحاجة إلى «دفعة ميدانية»، إذا جاز التعبير، أي أن العمليات العسكرية ما زالت أمامها مهمة يتعين أن تنجز. بعبارة أخرى فإن «عاصفة الحزم» ينبغي أن تستمر ولكن مع ترشيدها، فالخبرة الأكيدة تشير إلى أن القصف الجوي وحده لا يضمن تحقيق السيطرة، وقد احتاج الجيش المصري الذي كان يملك السيادة الجوية في اليمن في ستينيات القرن الماضي إلى سبعين ألف جندي في بعض الأحيان وخمس سنوات كي ينجز مهمته، مع أنه كان يدافع عن ثورة تحظى بتأييد شعبي ذي جذور عميقة. وتعني هذه الخبرة أننا لا نستطيع الاستغناء عن التدخل البري لحسم المعركة، ولكن هذا التدخل يمثل مشكلة بذاته لأنه سينطوي على خسائر بشرية قد تترتب عليها تداعيات سياسية غير مرغوبة على الأطراف القائمة بالتدخل. وهذه هي المعضلة، وهنا لابد من الاستفادة بخبرة الجيش المصري في ستينيات القرن الماضي، فعندما تأكدت القيادة المصرية من فداحة العبء لجأت إلى تدريب أعداد متزايدة من اليمنيين داخل اليمن وفي مصر تدريباً عسكرياً راقياً، وكان تأثير هؤلاء المتدربين لافتاً، فضلاً عن أن الجيش اليمني الحديث الذي مثلوا نواته كان صاحب الفضل الأول في الدفاع عن الثورة اليمنية بعد أن اضطرت القوات المصرية إلى الانسحاب عقب هزيمة 1967.

وكذلك يمكن التفكير في عمليات برية محددة تقوم بها قوات خاصة لإنجاز مهمة تكتيكية ضرورية كتأمين مطار أو فك حصار أو فتح طريق على أن تنسحب فور إتمام مهمتها. ويتعين أيضاً التفكير منذ الآن في وضع اليمن على رأس جدول أعمال القوة العربية المشتركة فور نشأتها وسيقلل الطابع الجماعي لهذه القوة من حساسية القرار بالتدخل، ويكون في الوقت نفسه خير مجال لإكساب هذه القوة صدقية تحتاجها، خاصة أنها ستعمل في إطار من الشرعية العربية والدولية. وتنبع أهمية الأفكار السابقة من أهمية أن يكون هناك وجود مستقر للشرعية على أرض اليمن ولو جزئياً، وكذلك تنبع من أن استمرار عمليات القصف الجوي وحده دون نهاية محددة في الأفق سيؤدي إلى زيادة الخسائر البشرية والمادية غير المقصودة وهو ما يحدث عادة في هذه الأحوال، وقد يؤدي هذا إلى تعزيز الاتجاه غير الداعم لعاصفة الحزم في اليمن، مما يفضي إلى مزيد من تعقيد جهود التسوية لاحقاً.

وتحتاج الشرعية إلى أن تكون مستعدة برؤية واضحة ومتوازنة للتسوية السياسية تستند إلى قرار مجلس الأمن 2216 حال نجاح العمل العسكري في إحداث التغيير المطلوب على سلوك الحوثيين، وسيكون إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تحت إشراف أممي بعد إنجاز وقف مستقر لإطلاق النار وانسحاب لقوات الحوثيين وحلفائهم من مدن رئيسية وتسليمهم أسلحة الجيش اليمني لقوات حفظ سلام أممية هو محور هذه الرؤية.

د.أحمد يوسف أحمد

صحيفة الإتحاد الإماراتية