هل يؤدي الكساد الاقتصادي إلى انهيار أسعار النفط؟

هل يؤدي الكساد الاقتصادي إلى انهيار أسعار النفط؟

أيّ كساد في الولايات المتحدة أو الصين أو كلاهما سيهوي بأسعار النفط إلى مستويات متدنية. وعلى الرغم من توقع قيام بعض دول الخليج بخفض إنتاج النفط بسرعة ورفع الأسعار كما حصل في عام 2009، إلا أنه من المتوقع أن ينتقل الكساد إلى اقتصادات دول الخليج والعراق. كل ذلك بسبب حروب ترامب التجارية! الغريب في هذه الحالة أن الانخفاض الكبير في أسعار النفط سيساعد الصين ودولاً أخرى مثل الدول الأوروبية وتركيا في تخفيف آلام هذا الكساد، وقد يساعد الصين بطرق مختلفة في تحقيق بعض الأهداف والتي منها زيادة حجم احتياطها النفطي الإستراتيجي، بينما ستعاني دول الخليج من تباطؤ النموة الاقتصادي فيها بسبب تأخير المشاريع التنموية الكبيرة.

أكتب هذا المقال، ليس توقعاً لحصول الكساد، ولكن لكثرة الحديث عن حصول كساد، بخاصة ضمن شركات التمويل وبيوت الخبرة في الأسابيع الأخيرة. فهم يرون أن هناك العديد من المؤشرات التي تدل على تزايد احتمال حدوث الكساد الاقتصادي في الولايات المتحدة، بينما يصرّ البعض على أن الصين الآن في حالة كساد، إلا أنه لاتتوافر بيانات لتؤكد أو تنفي مايذهبون إليه. ويتفق الخبراء على أن حدوث كساد في الولايات المتحدة أو الصين أو كلاهما أو حدوث كساد عالمي سيؤدي إلى انخفاض في الطلب على النفط وانحفاض كبير في أسعاره. ويأتي هذا الاتفاق نتيجة تأييد البيانات التاريخية لهذا الرأي، والتي سيتم استعراضها أدناه.

العلاقة بين الكساد وأسعار النفط

عند الحديث عن الكساد وأسعار النفط فإن أول ما يتبادر إلى ذهن الإنسان الغربي هو أن ارتفاع أسعار النفط يسبّب الكساد. وهناك المئات من الدراسات، وكثير من الكتب التي تثبت هذه الفكرة، ثم تم منهجة الفكرة وأدلجتها حتى أصبحت حقيقة في ذهن الساسة والخبراء في الغرب، بخاصة في الولايات المتحدة. وفي ظل غياب وجود مراكز بحوث عربية، وعدم وجود فكر عربي نفطي، تم ترسيخ الفكرة في المناهج الدراسية في الدول الخليجية، كما أنها تدرّس للطلاب المبتعثين على أنها حقيقة علمية.

هم يقولون إن أغلب حالات الكساد سبقها ارتفاع شديد في أسعار النفط، وبالتالي فإن سبب المآسي الاقتصادية المتمثلة في تباطؤ النمو الاقتصادي، والتضخم، وارتفاع معدلات البطالة سببها ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي، العرب!

إلا أن هذا الفكر الغربي المؤدلج، والذي خدم الساسة الغربيين وأعداء العرب بشكل يفوق الوصف خلال العقود الماضية، غير صحيح! فعلاقة الارتباط لا تعني السببية. كما أنه لا توجد نظرية اقتصادية حتى الآن توضح كيف يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تباطؤ النمو الاقتصادي أو حدوث الكساد. كل ما هنالك هو أراء، ولكنها ليست نظريات. في المقابل، هناك العديد من النظريات في علم الاقتصاد التي تقول إن أيّاً من: ارتفاع أسعار الفائدة، انخفاض الإنفاق الحكومي، أو رفع الضرائب يؤدي إلى انخفاض النمو الاقتصادي، ومن أهم مسببات الكساد. وبالعودة إلى الماضي، نجد أن كل حالات الكساد الماضية في الولايات المتحدة كان سببها مزيج من السياسات المالية والنقدية التي تم فيها رفع أسعار الفائدة وتخفيض الإنفاق الحكومي، وفي بعض الحالات تم رفع الضرائب. إن تجاهل هذه الأمور من الباحثين لم يكن محض صدفة، وإنما نتيجة سياسة موجهة عن طريق المنح البحثية والنشر في المجلات العلمية والمحكّمة والمشاركة في المؤتمرات، والترقيات، وغيرها.

ولعلّ حدوث كساد اقتصادي الآن في فترة أسعار نفط منخفضة يفتح باب التساؤل أمام الباحثين عن العلاقة بين الكساد وأسعار النفط، حيث أن هذه المرة الأولى التي قد يحدث فيها كساد وأسعار النفط في انخفاض.

من جانب آخر، تم إغفال أثر انخفاض أسعار النفط في اقتصادات الدول النفطية حيث أن عدد البحوث في هذا المجال بسيط، ويقتصر غالباً على الطلاب والباحثين من الدول النفطية. لهذا مازال هذا المجال يحتاج إلى بحث وتطوير. ويتضح من البيانات وهذه البحوث أن انخفاض أسعار النفط بشكل كبير أو فترات طويلة يؤدي إلى الكساد الاقتصادي في الدول المنتجة للنفط. وكما هي الحال في الدول الغربية، لا ينتج من انخفاض أسعار النفط كساد اقتصادي، إنما يأتي الكساد نتيجة تخفيض الإنفاق الحكومي في هذه الدول بسبب اعتمادها الكبير على العائدات من صادرات النفط. ولعل أهم سبب للكساد هو إلغاء أو تأخير المشاريع التنموية الضخمة، وتباطؤ حركة السيولة في هذه البلاد، فتتباطأ معها الحركة التجارية ثم يتباطأ الإنفاق الاستهلاكي. وإذا نظرنا إلى تفاصيل ما يحدث في الدول النفطية أثناء فترة الكساد، نجد أموراً كثيراً تعمّق فترة الكساد وتطيلها، لعل أهمها أن الشركات، في محاولة تخفيض التكاليف، تقوم بالاستغناء عن أصحاب الرواتب العالية، بغض النظر عن الكفاءة والمقدرات. وهذا عكس مايحدث في الغرب حيث تتخلص الشركات من أقل الموظفين كفاءة، وتحتفظ بالموظفين الذي سيساعدونها في النمو مستقبلاً.

الكساد الاقتصادي يخفّض الطلب على النفط

بغض النظر عن مسببات الكساد، فإن من أهم نتائج الكساد انكماش الطلب العالمي على النفط، الأمر الذي ينتج منه انخفاض كبير في أسعار النفط. والخوف الآن من أن تؤدي الحروب التجارية بين الولايات المتحدة وحلفائها التجاريين إلى كساد في الولايات المتحدة، وربما في العالم أجمع.

ما أثر الكساد الاقتصادي في الولايات المتحدة في أسواق النفط؟ من عجائب القدر أن إنتاج النفط الصخري سيتأثر بالكساد الاقتصادي الأميركي، وبالتالي فإن انخفاض الطلب على النفط سيقابله انخفاض في إنتاج النفط الأميركي، إلا أنه سيكون هناك فارق في التوقيت. وبما أن الطلب على النفط وأسعاره سيتأثر أولاً، فمن الواضح أن دول الخليج ستتأثر مباشرة بهذا الكساد.

ونظرة تاريخية على حالات الكساد الأميركية وأثرها في الطلب على النفط وأسعاره توضح ما يلي (علماً أن انخفاض الأسعار يعود إلى انخفاض الطلب في الولايات المتحدة وغيرها):

نوفمبر (تشرين الثاني) 1973- مارس(آذار) 1975: انخفض الطلب الأميركي على النفط بنسبة 8.6 في المئة

يناير (كانون الثاني) 1980 – يوليو(تموز) 1980: انخفض الطلب الأميركي على النفط بنسبة 16.7 في المئة

يوليو 1981 – نوفمبر 1982: انخفض الطلب الأميركي على النفط بنسبة 7.9 في المئة، بينما انخفض الطلب في دول منظمة التعاون والتنمية بنسبة 12في المئة.

يوليو 1990 – مارس 1991: انخفض الطلب الأميركي على النفط بمقدار 6 في المئة وخفّضت الأسعار بنسبة 46 في المئة.

مارس 2001 – نوفمبر 2001: انخفض الطلب الأميركي على النفط بنسبة 3,5 في المئة. وانخفضت الأسعار بنسبة 37 في المئة.

ديسمبر (كانون الأول) 2007 – يونيو(حزيران) 2009: انخفض الطلب الأميركي على النفط بنسبة 13,1 في المئة. وانخفضت الأسعار بنسبة 57 في المئة.

الخلاصة

بناء على العلاقة بين حالات الكساد وانخفاض الطلب على النفط وخفض أسعاره فإن درجة انخفاض الطلب على النفط ستعتمد عما إذا كان الكساد سيضرب دولاً أخرى أم لا، ولكن يتوقع أن يكون بنسبة تتراوح بين 8 في المئة و17 في المئة.

وبما أن إنتاج النفط الأميركي يتأثر سلباً في حال الكساد فإنه لايتوقع أن تنخفض الأسعار إلى أقل من 25 دولاراً للبرميل. وفترة الأسعار المخفضة ستعتمد على رد فعل السعودية وبعض دول أوبك: هل سيقومون بتخفيض الإنتاج مباشرة أم أنهم سينتظرون فترة ثم يقومون بعدها بتخفيض الإنتاج. إن تخفيض الإنتاج تحصيل حاصل، ولكن توقيته لا يمكن التنبؤ به. المحزن في الأمر أن إصابة الولايات المتحدة بالزكام ستصيب العالم بالمرض، إلا أن اصابة الصين بأي وعكة صحية ستصيب العالم بالإغماء!

اندبندت

Print Friendly, PDF & Email