“الاستيطان الجهادي”: هل تفرض أحداث “شارلي إبدو” تداعيات عكسية على المنطقة؟

“الاستيطان الجهادي”: هل تفرض أحداث “شارلي إبدو” تداعيات عكسية على المنطقة؟

3019

بدأت ظاهرة “العائدين من سوريا” تحظى بأهمية وزخم خاص داخل الدول الغربية خلال الفترة الأخيرة، لا سيما بعد الهجوم الإرهابي على صحيفة “شارلي إبدو” الفرنسية في 7 يناير 2015، حيث بدأت تلك الدول في تبني إجراءات عديدة تهدف إلى منع المتطرفين من حَمَلَةِ جنسياتها من العودة مرةً أخرى إلى أراضيها، وتشكيل خلايا نائمة تتحرك في أوقات معينة لتنفيذ عمليات إرهابية تخدم الخطاب العام لبعض الميليشيات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط.

وهنا تكمن المفارقة؛ إذ إن تلك الإجراءات ربما تؤدي إلى بروز ظاهرة عكسية، تتمثل في ما يمكن تسميته بـ”الاستيطان الجهادي”، الذي يعني اتجاه العناصر الأجنبية المتطرفة، التي سوف تواجه عقبات عديدة في حالة سعيها للعودة إلى دولها الأصلية خلال المرحلة المقبلة بعد أحداث “شارلي إبدو”، إلى الاستقرار في المنطقة، بكل ما يفرضه ذلك من تداعيات لا تبدو هينةً، خاصةً فيما يتعلق بتأجيج حالة عدم الاستقرار داخل دول المنطقة، وتزايد احتمالات استهداف مصالح ورعايا الدول الغربية، باعتبار أن ذلك هو البديل المتاح للعودة التي أصبحت أكثر صعوبة.

وبعبارة أخرى، يمكن القول إن ظاهرة “العائدين من سوريا” ربما تتحول، تدريجيًا، إلى ظاهرة “العائدين إلى سوريا”، في ظل التطورات التي طرأت على الساحة الدولية بعد أحداث “شارلي إبدو”. ورغم أن تلك الظاهرة ربما لم تدخل مرحلة التشكل بعد؛ فإن احتمالاتها تتزايد، خاصةً أن بعض دول المنطقة تمثل بؤرة جاذبة للعناصر الأجنبية، في ظل سيولة الحدود، وانتشار الفوضى، وتصاعد نفوذ الميليشيات المسلحة داخلها.

سياسات “وقائية”:

بدأت بعضُ الدول الغربية في تبني سياسات وقائية تستهدف منع وصول المتطرفين إلى أراضيها، وتتمثل أهم أبعادها فيما يلي:

1- حصار المتطرفين داخل سوريا؛ حيث توافقت الولايات المتحدة الأمريكية مع بريطانيا على الالتزام بمنع عودة المتطرفين الأجانب من سوريا. وأشار الرئيس الأمريكي باراك أوباما، خلال لقائه رئيسَ الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في 16 يناير 2015، إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تبدأ في تنسيق جهودها مع الدول الأوروبية حول ترتيب “مناورات” لأمن الإنترنت بهدف صد عمليات القرصنة وتبادل المعلومات. فيما أعلن ديفيد كاميرون عن نيته، في حالة فوزه في الانتخابات القادمة، طرح مشروع قانون جديد يتعلق بـ”ميثاق المتلصصين”، الذي يمكن أن يُساعد السلطات في مراقبة الإنترنت بهدف منع الاتصال بين المتطرفين. وكانت الحكومة البريطانية قد أحالت على البرلمان، في أواخر نوفمبر 2014، مشروع قانون يهدف إلى فرض حظرٍ مؤقتٍ على الذين يُسافرون من أجل القتال في الخارج، أو سحب جوازات سفرهم.

2- تبادل المعلومات مع الشركاء، خاصةً في منطقة الشرق الأوسط، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي، في 19 يناير 2015، عن أنه سوف يتخذ إجراءات لمواجهة الإرهاب بالتعاون مع بعض الدول العربية، وأشارت المنسقة العليا للسياسة الخارجية بالاتحاد فيديريكا موجيريني إلى أن الاتحاد سوف يقوم بتعيين ملحقين أمنيين في بعثاته للدول المعنية.

3- تطوير خطط لمكافحة الإرهاب، فقد أعلن رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فانس، في 20 يناير 2015، عن خطة أمنية شاملة لمكافحة الإرهاب، ومنع تكرار أحداث “شارلي إبدو” مرةً أخرى، تقوم على عدة محاور، منها تشديد الإجراءات الأمنية، وتوفير الإمكانيات المادية والبشرية للأجهزة المعنية، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي مع الاتحاد الأوروبي، خاصةً مع إعلان المفوضية الأوروبية عزمها مناقشة إعداد بيانات خاصة بجميع المسافرين من وإلى الاتحاد، فضلا عن تشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد في إطار اتفاقية “شنغن”.

4- اتخاذ إجراءات صارمة في التعامل مع المتطرفين في الداخل؛ حيث قال وزير الداخلية الإيطالي أنجلينو ألفانو، في 18 يناير 2015، إن إيطاليا طردت 9 أشخاص يُشتبه في أنهم مسلمون متشددون، في حين بدأ القضاء الألماني، في اليوم نفسه، في اتخاذ إجراءات قانونية ضد 350 متهمًا بالاتصال بـ”داعش”.

5- العمل على “تقليص مستوى التطرف”، من خلال خطوات تهدف إلى فصل المتشددين في السجون والمعتقلات عن أقرانهم؛ حيث أكد وزير العدل البلجيكي كون جينس، في 11 يناير 2015، أن “المستشارين داخل السجون سيكون لهم دورٌ في مكافحة التطرف، ومحاولة تجنيد أشخاص جدد في هذا الإطار، خاصةً أن أحداث باريس أثبتت أن المتورطين في الحادث كانوا من بين الذين تأثروا بالفكر المتشدد داخل السجون”.

إجراءات “داعشية” مضادة:

وبدون شك، فإن هذه الإجراءات الوقائية، التي تستهدف منع الجهاديين الأجانب من العودة إلى الدول الغربية، يُمكن أن تدفع “العائدين من سوريا” إلى إعادة التفكير من جديد في الاستقرار في المنطقة، خاصةً في ظل وجود بيئة مواتية حاول تنظيم “داعش” توفيرها من خلال تبني إجراءات عديدة، على غرار تأسيس “الدولة الإسلامية”، وهو الطموح الذي طالما راود كثيرًا من التيارات والعناصر الجهادية، إلى جانب محاولة جذب تلك العناصر من خلال الحصول على موارد مالية كبيرة، فضلا عن توفير خدمات اجتماعية عديدة عبر مساعدة المقاتلين في تكوين أسرةٍ مع تحمل تكاليف الزواج والمعيشة، إلى جانب تشكيل هيئات ولجان لإدارة الشئون الحياتية المختلفة، خاصة في مجالات مثل التعليم والصحة، إلى درجة تأسيس هيئة لحماية المستهلك تتولى مهمة مراقبة أسعار المواد الغذائية، فضلا عن ديوان للمظالم لتلقي الشكاوَى من المدنيين.

تداعيات مختلفة:

وربما يمكن القول إن اتجاه العناصر المتطرفة، خاصة الأجانب، إلى الاستقرار في المنطقة سوف يفرض تداعيات سلبية عديدة، يمكن تناولها في التالي:

1- اتجاه الميليشيات إلى تصعيد عمليات استهداف مصالح ورعايا الدول الغربية في المنطقة، التي بدأت تُشكل ما يمكن تسميته بـ”حائط صد” ضد عودة الجهاديين الأجانب من جديد إليها، وهو ما بدأت إرهاصاته تتشكل مبكرًا حتى قبل وقوع أحداث “شارلي إبدو”؛ إذ تشهد بعض دول المنطقة استهدافًا لمصالح الدول الغربية، على غرار ليبيا، حيث قُتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفينز وثلاثة موظفين آخرين في هجوم على القنصلية الأمريكية ببنغازي في 12 سبتمبر 2012. وشهدت اليمن أيضًا هجمات مماثلة ضد دبلوماسيين؛ حيث قُتل دبلوماسي إيراني في 18 يناير 2014. كما قُتل دبلوماسي فرنسي في 5 مايو 2014. وقد سبق ذلك إصابة القنصل الياباني بعد عملية اختطاف فاشلة في 15 ديسمبر 2013، ومقتل موظف ألماني يعمل بالسفارة الألمانية لدى صنعاء في 6 أكتوبر 2013، واغتيال خبيرين عسكريين من بيلاروسيا في 26 نوفمبر 2013.

2- تأجيج حالة عدم الاستقرار في المنطقة، خاصة في الدول التي تتصاعد فيها أنشطة الميليشيات المسلحة، بشكل يمكن أن يُجهض أية جهود دولية أو إقليمية للوصول إلى تسوية سلمية للأزمات التي تشهدها تلك الدول؛ إذ إن فرض حصارٍ أمني على المتطرفين داخل سوريا يُمكن أن يحولها إلى بؤرة مستقرة للإرهابيين، بشكل سوف يمثل، على الأرجح، مصدرًا لتهديد أمن ومصالح دول الجوار.

3- اختراق مخيمات اللاجئين في دول الجوار، وهو ما بدأت تقارير عديدة في التحذير منه, لا سيما أن ذلك يُمكن أن يؤدي إلى تشكيل خلايا نائمة جديدة في هذه الدول، بشكل يفرض مزيدًا من الأعباء عليها.

خلاصة القول، يبدو أن أحداث “شارلي إبدو” سوف تفرض تداعيات عديدة على المنطقة، يتمثل أبرزها في اتجاه الجهاديين الأجانب إلى الاستقرار داخل بؤر التوتر المتعددة، بشكل يزيد من احتمالات بروز ما يُسمى بـ”الاستيطان الجهادي” في المنطقة.

المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية