الأمير فرديناند.. قصة الثأر الذي أشعل الحرب العالمية الأولى

الأمير فرديناند.. قصة الثأر الذي أشعل الحرب العالمية الأولى

عندما استدار الموكب عائدا إلى القصر، كان في انتظاره الفتى كافريلو برنسيب، فأودع رصاصة في عنق الأمير فرانز فرديناند وأخرى في خصر زوجته الدوقة صوفي شوتيك.

كان ذلك وسط مدينة سراييفو صبيحة 28 يونيو/حزيران 1914، وبمجرد تأكد مقتل وريث إمبراطورية النمسا والمجر، دقت طبول الحرب العالمية الأولى، التي طحنت البشرية، وأعادت تشكيل الخارطة الكونية من جديد.

والأحد الماضي، احتشد زعماء العالم في العاصمة الفرنسية باريس، لتخليد مرور مئة عام على نهاية الصراع الذي بدأ من أجل الثأر لمقتل شخص واحد، ولكنه لم ينته حتى أدى إلى مقتل أكثر من ثمانية ملايين.

في 18 ديسمبر/كانون الأول 1863 وُلد فرانز فرديناند في مدينة غراز (شمالي النمسا)، وكان والده كارل لودفيج هو الأخ الأصغر لإمبراطور المجر والنمسا فرانز جوزيف.

التحق فرانز فرديناند بالقوات المسلحة وهو في سن 12، وترقى إلى المناصب العليا في وقت مبكر من عمره، ومنح رتبة جنرال مع بلوغه 31.

وفي عدة مناسبات بدا أن القدر يخدم مستقبل فرانز فرديناند، وأن الظروف تتهيأ تلقائيا لتتويجه بالعرش؛ ففي عام 1896 انتحر ابن الإمبراطور الذي كان وليا للعهد.

بعدها رُقّي أخ الإمبراطور ووالد فرديناند إلى منصب ولي العهد، لكنه توفي عام 1889 جراء إصابته بحمى التيفود، ومنذ ذلك التاريخ بدأ إعداد فرانز فرديناند للعرش.

يومها كان الأمير يخوض معركة من نوع آخر، ففي عام 1894 التقى صوفي ابنة النبيل والدبلوماسي بوهيوسلاف شوتيك الذي ينتمي لإحدى العائلات العريقة في النمسا.

سريعا وقع الاثنان في الحب، لكن انتماء صوفي لطبقة النبلاء لم يكن كافيا لارتباطها بفردناند، إذ تشترط الأنظمة الإمبراطورية أن تكون زوجة الأمير منتمية لإحدى العائلات الملكية في أوروبا.

لعدة أعوام رفض الزواج من أي امرأة أخرى، وقرر خوض صراع مع العرش من أجل صوفي، وبعد توسط العديد من قادة أوروبا لصالح الأمير المتيّم؛ قبل الإمبراطور في عام 1900 زواجهما، شريطة أن يتنازل فرانز فرديناند عن حق أبنائه في اعتلاء العرش.

حماية الملك
تروي المصادر التاريخية أن ملامح فرانز فرديناند توحي بالهدوء، لكنه كان سليط اللسان وسريع الغضب، وبعد أن فاز بمعركة صوفي كان عليه التحرك لمنع تفكك إمبراطورية النمسا والمجر.

في البدء، اقترح قيام عرش ثلاثي المكونات: الألمان والمجر والسلاف، ولكن هذه الفكرة واجهت رفضا كبيرا، وأثارت الشكوك داخل القصر حول إذا كان يتمتع بقواه العقلية.

فكّر أيضا في إقامة دولة فدرالية من 16 إقليما تسمى الولايات المتحدة النمساوية الكبرى، لكن هذا التوجه أجج صراعا مباشرا مع القوميين الصرب، الذين كانوا يخططون للانفصال عن البوسنة والهرسك وإقامة دولتهم المستقلة بعيدا عن إمبراطورية النمسا.

رغم ذلك، لم يُعر الأمير أدنى اهتمام لطموحات القوميين الصرب، بل على العكس من ذلك دافع عن مقاربته الحذرة تجاههم، وحذّر العسكريين من أنّ معاملتهم بقسوة ربما تقود لصراع مفتوح مع روسيا.

وفي 28 يونيو/حزيران 1914، قدم فرانز فرديناند للمشاركة في مناورات عسكرية في سراييفو، وبينما كان موكبه يسير وسط المدينة اعترضه فتية من حركة “اليد السوداء” فأمطروه بالقذائف.

أخطأ المهاجمون هدفهم وأصابوا عربة غير تلك التي كان يستقلها الأمير وزوجته، وعندما بدا أن خطة الاغتيال فشلت صرخ بأعلى صوته: أتستقبلون ضيوفكم بالقذائف؟

لكن وريث إمبراطورية النمسا لم يعمّر طويلا بعد تلك اللحظة، فعندما استدار الموكب عائدا إلى القصر، كان بانتظاره الفتى كافريلو برنسيب، فأودع رصاصة في خاصرة صوفي وأخرى في عنق الأمير.

لم يكن فرانز فرديناند محبوبا داخل الوسط الإمبراطوري في النمسا، لكن المتشددين استغلوا فرصة مقتله لاتخاذ إجراء عسكري لإخماد كفاح الصرب من أجل الاستقلال.

وبحلول يوليو/تموز من العام ذاته، بلغ الوضع أقصى درجات التوتر؛ فقد طلبت النمسا تعويضات تعجيزية، وعندما لم تحصل عليها أعلنت الحرب على صربيا.

إلى الموت
لم تتأخر روسيا عن مؤازرة الصرب، فأعلنت الحرب على النمسا، وعلى الفور بادرت ألمانيا إلى إعلان الحرب على الروس.

وعندما اندلعت الصراع دخلت فرنسا وبريطانيا العظمى على الخط، وأعلنتا الحرب على كل من ألمانيا والنمسا وحلفائهما.

لقد بدأت الحرب أوروبيةً، لكنها تحولت إلى عالمية، ولها طرفان: دول المركز؛ وتضم ألمانيا والنمسا وبلغاريا والدولة العثمانية، والحلفاء؛ وهم الروس والفرنسيون والبريطانيون.

استمرت الحرب أكثر من أربع سنوات، وبلغت خسائرها البشرية نحو تسعة ملايين قتيل، ومهدت لتغييرات سياسية كبيرة، وكانت وراء ثورات في دول عديدة.

في البداية، حقق الألمان انتصارات مدوية واحتلوا مدنا فرنسية وروسية، لكن المعارك اتخذت منحى مغايرا في 1916 عندما استُدرجت الولايات المتحدة إلى الحرب وقاتلت إلى جانب الحلفاء.

لاحقا، توالت انهيارات دول المركز بقيادة ألمانيا، مما أجبرها على الاستسلام وتوقيع هدنة مع الحلفاء داخل إحدى مركبات السكك الحديدية في مدينة كومبين الفرنسية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1918.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية

Print Friendly, PDF & Email