دور المعارضات السورية المتعارضة في إعادة تأهيل نظام بشار الأسد

دور المعارضات السورية المتعارضة في إعادة تأهيل نظام بشار الأسد

إعادة تأهيل النظام السوري يجري على قدم وساق عربيا وإقليميا ودوليا. وما حضور بشار الأسد القمة العربية الأخيرة في جدة واستقباله بالأحضان والقبلات والابتسامات من قبل نظرائه العرب سوى غيض من فيض عملية التأهيل الجارية تباعا. هذه العملية التي بدأت خجولة وسرية منذ عدة سنوات إلى أن أصبحت علنية مع مرور الوقت وبدأت تؤتي أُكلها سياسيا ودبلوماسيا. ولم يبق لها إلا أن تتوج بالاقتصاد والاستثمار في إعادة بناء سوريا التي دمرها بشار الأسد وحليفتاه روسيا وإيران وكذلك فصائل المعارضة السورية السياسية والمسلحة المدعومة من تركيا وقطر. ومن الوارد أن تباشر عملية إعادة البناء حتى من دون الوصول إلى تسوية شاملة للقضية السورية وفق المفهوم التقليدي المتداول، بعد أن تم عمليا طمر القرار الأممي 2254 وما نتج عنه من مهازل.

وفي ظل مشهد إعادة تعويم نظام الأسد الأقرب ما يكون إلى الكوميديا السوداء أو الملهاة الإلهية لدانتي في فصل مملكة الجحيم، يتبادر إلى الذهن السؤال الجوهري التالي: ما هي العوامل التي أدت في النهاية إلى صمود نظام الأسد والمساهمة في إعادة تأهيله؟

من خلال وضع مشاريع ومسودات الأجوبة في ميزان ومجاهر الأولوية والأهمية، يتبين أن المعارضات السورية المتعارضة، ولاسيما الائتلاف السوري الموالي لتركيا وقطر، والذي لاح في لحظة من اللحظات القليلة جدا بأنه قد يكون البديل لنظام الأسد، هي أكثر من ساهم في بقاء هذا النظام وإعادة استصلاحه وفق المنطق الأعوج والظالم السائد في الدبلوماسية والعلاقات الدولية.

بيد أن الجواب التقليدي الشائع للسؤال أعلاه هو أن روسيا هي التي من أنقذت نظام بشار الأسد من الانهيار الوشيك. لكن يغيب عن بال أنصار هذا الجواب أن روسيا تدخلت عسكريا في الحرب الأهلية السورية لنصرة نظام الأسد في الثلاثين من سبتمبر 2015، أي بعد مرور أربع سنوات ونيف على اندلاع الشرارة الأولى للمأساة السورية.

هذه المعارضات نجحت نجاحا باهرا في إثبات أنها ليست البديل المنقذ، بل أنها أسوأ بكثير من نظام الأسد بتشرذمها وتطاحنها الداخلي

وهذه الفترة كانت كافية للغرب، في حال وجود النية والخطة، لتقويض نظام الأسد وتسليم السلطة لأحد أطياف المعارضة السورية، خاصة وأن الأميركان كانوا قد تدخلوا عسكريا في سوريا تحت راية محاربة داعش قبل التدخل العسكري الروسي. لكن أحد الأسباب الكامنة وراء غياب النية والخطة لدى الغرب يعزى إلى غياب البديل وعدم قدرة المعارضات السورية المتنافرة على تقديم نفسها كنموذج مناسب ومنقذ.

على العكس من ذلك، نجحت هذه المعارضات نجاحا باهرا في إثبات أنها ليست البديل المنقذ، بل وأنها أسوأ بكثير من نظام الأسد بتشرذمها وتطاحنها الداخلي وبرامجها وخطابها الديني والمذهبي والعنصري المقيت، وبتحولها إلى بيادق بأيادي الدول التي أغدقت عليها بالمال والسلاح لقاء شراء ذمم رموزها وتنفيذ أجندات تلك الدول داخل سوريا وخارجها، والذي تمثل في مباركتهم ومشاركتهم تركيا في احتلال أكثر من 10 كلم مربع من الأراضي السورية. وكذلك بإرسال تركيا الآلاف من المرتزقة السوريين المنضويين ضمن فصائل المعارضة السورية المسلحة التي تعتبر الجناح المسلح للائتلاف السوري المعارض إلى ليبيا وأذربيجان.

والذريعة التي دأب الغرب على تسويقها تبريرا منه لعدم تدخله العسكري في سوريا بهدف تغيير نظام الأسد عندما كانت الفرصة مؤاتية له ما بين أعوام 2011 و2015 هي عدم وجود قرار دولي بذلك. علما أن واشنطن وحلفاءها الغربيين قد أسقطوا حركة طالبان في كابل سنة 2001 ونظام صدام حسين في بغداد سنة 2003 ونظام معمر القذافي في طرابلس سنة 2011 بقرار ذاتي ودون اكتراث لما يسمى بمجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة. وفي هذا السياق قامت واشنطن ولندن وباريس باحتضان أقطاب المعارضة العراقية، بما فيها تلك المدعومة من إيران، ورعتها وأرغمتها على توحيد صفوفها قبيل غزو العراق في ربيع 2003. وكل ذلك عكس وجود النية والخطة الأميركية الغربية لتغيير نظام الحكم في بغداد.

لكن في الحالة السورية، لم يقدم الغرب على القيام بخطوات مماثلة تجاه المعارضة السورية لأسباب متعددة، منها ما هو متعلق بإستراتيجية الغرب في سوريا التي تجنح عمليا إلى إبقاء خارطة النفوذ على حالها داخل سوريا وإبقاء الحكم من نصيب الطائفة العلوية مع ضرورة إجراء إصلاحات غير جذرية وغير ملزمة في بنية الحكم. لكن من ضمن الأسباب الرئيسية التي أرخت عزيمة الغرب في تغيير نظام الأسد في دمشق هو طبيعة وماهية المعارضة السورية المخيبة للآمال، هذه المعارضة التي سرعان ما تشظت إلى عدة منصات، كل منها كانت تابعة للدولة التي أعلنت فيها المنصة وبقيت رهينة لأجنداتها.

نعم بقي النظام، وبقيت المعارضة، ورحل الشعب ورجع بخفي حنين أو حسب المثل السوري الشعبي: تيتي تيتي متل ما رحتي متل ما جيتي

إعادة تأهيل النظام السوري يحل، بشكل أو بآخر، محل عملية أو مفهوم الانتقال السياسي وفقا للقرار الدولي 2254 الصادر في 2015 والخاص بسوريا المنهكة. الحراك الدبلوماسي والاستخباراتي المحموم بين الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة والمنخرطة في الأزمة السورية يوحي ليس فقط ببقاء نظام الأسد وإفلاته من سيناريو السقوط والعقاب، وإنما بإعادة تأهيله إقليميا ودوليا وعلى مراحل ووفق خطة محكمة ومحبوكة سلفا.

والفضل الأساسي في ذلك يعود إلى المعارضات السورية، وخاصة الائتلاف السوري وأجنحته العسكرية التابعة لتركيا وقطر. هذا الائتلاف المنقاد من قبل عصابة الإخوان المسلمين والذي قدم أسوأ نموذج للمعارضة السياسية على مر التاريخ. والذي يعتبر المرجعية السياسية للعشرات من الفصائل المسلحة المتطرفة التي تعاونت مع المحتل التركي والتي ارتكبت العشرات من الانتهاكات والجرائم الموثقة دوليا بحق المعارضين وعلى أساس الهوية الطائفية والعرقية. وقد تتحول هذه المعارضة لاحقا إلى مادة للدراسة في الجامعات ومراكز الأبحاث في إشارة إلى فشل وسوء وانحطاط المعارضات.

وأغلب الظن أن الأسد كان يقول في قرارة نفسه وهو جالس في جدة بين جموع الرؤساء العرب: شكرا لكم أيها المعارضون السوريون على خدماتكم المتوالية والجليلة لي في عدم قدرتكم على تقديم أنفسكم كبديل عني وبعد أن يئس المجتمع الدولي منكم، لن أنسى معروفكم هذا طالما حييت، أنتم من أنقذتمونني من الاندثار، لقد كنتم ولا تزالون بالنسبة لي مثل الجائزة الكبرى التي لا تأتي ولا تتكرر إلا نادرا في الحياة. أما بالنسبة إلى المجتمعين الإقليمي والدولي، فإن لسان حالهما يقول: التعامل والتعاطي مع عصابة واحدة، مهما كانت مجرمة وفاسدة، أفضل من التعامل والتعاطي مع مجموعة عصابات متناحرة ومجرمة وفاسدة تحركها عدة جهات دولية وإقليمية لا تضمر سوى الشرور للمنطقة عموما. نعم بقي النظام، وبقيت المعارضة، ورحل الشعب ورجع بخفي حنين أو حسب المثل السوري الشعبي: تيتي تيتي متل ما رحتي متل ما جيتي. تعيش وتأكل غيرها أيها الشعب السوري المسكين وكل خريف عربي وأنت بخير.

العرب