القاهرة تروج لرؤيتها الحقوقية بعيدا عن الحريات السياسية

القاهرة تروج لرؤيتها الحقوقية بعيدا عن الحريات السياسية

القاهرة – انطلقت الجولة الثانية من الحوار الوطني في مصر، بحضور ممثلين عن السلطة وقوى سياسية منتمية للمعارضة، كأحد مظاهر التعددية، فيما تتجه النية داخل الحكومة والبرلمان لوضع رؤية حقوقية غير سياسية في المناهج الدراسية.

وكشف توجه مجلس النواب نحو إدراج مبادئ حقوق الإنسان في المناهج التعليمية عن وجود رغبة لدى الحكومة لتنشئة الأجيال الجديدة على مفاهيم بعينها مرتبطة بالحقوق، ليس من بينها الموجودة في دول غربية، مثل الحريات السياسية والشخصية المطلقة، لكنها ستكون قاصرة على إظهار وجهة نظر النظام المصري تجاه حقوق الإنسان.

وأعلنت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان تمسكها بتضمين هذه الحقوق في المناهج الدراسية لتعريف المراهقين والشباب بحقوقهم، مثل الحق في التعليم والسكن والصحة، وبعض الحقوق السياسية المتعلقة بالمشاركة في الانتخابات، بهدف الترويج لرؤية السلطة حيال أولويات الملف الحقوقي في البلاد.

ولدى الحكومة المصرية مفاهيم خاصة عن حقوق الإنسان، مغايرة إلى حد كبير لما تطرحه قوى معارضة في الداخل، وحكومات غربية ومنظمات أجنبية.

وقال نواب داخل البرلمان في تفسيرهم لمبررات الاستعانة بالمناهج التعليمية لنشر ثقافة حقوق الإنسان إن الخطوة مرتبطة بتفعيل الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، بكفالة مبادئ المواطنة والحقوق الاقتصادية والصحية والحق في التعليم كضرورة لتنشئة أجيال تعرف حقوقها وإزالة موروث قديم حصرها في الشق السياسي.

وأوحى التحرك البرلماني بوجود رغبة لدى بعض دوائر السلطة لفرض أمر واقع بشأن ملف حقوق الإنسان ينطلق من خصوصية الحالة المصرية، بحكم ما تعانيه البلاد من تهديدات إقليمية تفرض على الحكومة تقييد الحريات وتضييق مجال الحركة على الحقوق المطلقة، وفي مقدمتها السياسية.

واعتادت القاهرة تبرير مواقفها المرتبطة بالتضييق على الحريات والتسويق لكون الحقوق الأصيلة مرتبطة بالخدمات وتحسين المستوى المعيشي، وأنها تواجه تحديات كبيرة، لا تتناسب معها المعايير الغربية، ويصعب أن تكون حقوق الإنسان مقدمة على الاستقرار والوقوع في فخ الحريات غير المنضبطة.

ومن المقرر البدء بمناهج التعليم لطلاب المدارس على أن يتبع ذلك تدريس حقوق الإنسان في الجامعات، ويكون المراهقون والشباب الذين يمثلون القاعدة الأكبر في المجتمع قريبين من وجهة نظر الحكومة بشأن الملف الحقوقي.

وقدّرت دوائر سياسية تلك الخطوة بأنها معبرة عن توجه عام داخل النظام لإقناع المجتمع المحلي برؤيته لحقوق الإنسان، وتصبح هناك ثقافة محددة لهذا الملف، يتم زرعها في عقول المواطنين من دون التطرق إلى السياسة، مع توصيل رسالة بأن القاهرة المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان هي نفسها من تسعى لتوعية الناس بحقوقهم.

ويعتقد الرئيس عبدالفتاح السيسي أن الحريات غير المنضبطة بقواعد وسقف وحد أقصى سوف تقود إلى تدمير الدول من خلال التظاهرات وإملاءات المعارضة لشروطها على الحكومات.

ويرى معارضون أن سعي الحكومة لاعتبار الخدمات والإجراءات التنموية قاعدة حقوق الإنسان في مصر، يمهد لبقاء الأوضاع الراهنة بلا تغيير على مستوى الحريات السياسية. وأنه مهما تقاربت الحكومة مع المعارضة وتعهدت بالانفتاح عليها من خلال الحوار الوطني، فاستمرار هذه النظرة للحقوق لن يكون مفيدا، مهما حسنت النوايا.

التحرك البرلماني أوحى بوجود رغبة لدى بعض دوائر السلطة لفرض أمر واقع بشأن ملف حقوق الإنسان ينطلق من خصوصية الحالة المصرية

وأطلقت القاهرة منذ عامين خطة بعنوان “الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”، تضمنت محاور مطاطة لحقوق الإنسان، تتكامل مع المسار التنموي الحالي، ما عرضها لانتقادات من قبل بعض المنظمات العاملة في المجال الحقوقي، حيث تصر القاهرة على إغفال النظر بشكل واسع لمسألة الحريات السياسية.

يعول الرئيس السيسي على نقطة محورية ترتبط بأن البسطاء في مصر لا يعنيهم وجود حريات سياسية من عدمه، إذ يبحثون عن تحسين ظروفهم المعيشية وتوفير خدمات صحية وتعليمية وسكنية ومساعدات اجتماعية في المقام الأول، ويتم التعويل على هذه الفئة لتعزيز وضعية حقوقية غير سياسية في مصر.

ويعد تثقيف أجيال جديدة بمبادئ المواطنة وحقوق الإنسان خطوة هامة كجزء من الحفاظ على الوعي والعلم والتحضر، لكن من الخطأ أن تكون المفاهيم الحقوقية المدرجة بالمناهج خاضعة لوجهة نظر الحكومة، لأن الجمهورية الجديدة التي يبشر بها قريبون من السلطة من المفترض أن تقوم على الديمقراطية والحريات والمواطنة، وهذا يتطلب أجيالا واعية، وليست منفصلة عما يحدث حولها.

وأشار الكاتب والمحلل السياسي جمال أسعد إلى وجود إشكالية مرتبطة بمفاهيم حقوق الإنسان التي تُفترض تنشئة الأجيال الجديدة عليها، فالدولة لديها مفاهيم مختلفة عن المنظمات والحكومات الغربية وجمعيات حقوق الإنسان، لكن الأفضل أن يكون مشروع المناهج حول الحقوق محدد بإطار مصري خالص يعتمد على المواطنة التي تضم رؤية أوسع لحقوق الإنسان.

وأضاف أسعد في تصريح لـ”العرب” أن تعبير حقوق الإنسان تخطاه الزمن، وأصبحت المواطنة هي الأساس، بحيث يُسمح بالتعامل مع الآخر بلا تركيز على الانتماء السياسي والحزبي والديني والثقافي، وهذا ليس مفعلا في مصر، ولذلك تظل المواطنة وقبول الآخر هما المفتاح السحري الذي يطبق مبادئ حقوق الإنسان.

ولفت إلى أن مصر بحاجة إلى ثقافة سياسية أكثر من حقوق الإنسان، لأن المطالبة بالأخيرة لن تتحقق دون الأولى، وهذا ما يجب أن تعمل عليه الحكومة والمؤسسات التوعوية، إذا كانت هناك إرادة لتنشئة أجيال واعية بحقوقها، والعبرة أن لا تكون مفاهيم المواطنة خاضعة لحسابات آنية ضيقة.

العرب