هل تتغيّر مقاربة أميركا نحو العدوان الإسرائيل على قطاع غزة؟

هل تتغيّر مقاربة أميركا نحو العدوان الإسرائيل على قطاع غزة؟

هدد الرئيس الأميركي، جو بايدن، لأول مرة، منذ أن بدأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بأنّ الولايات المتحدة ستعيد النظر في مقاربتها الداعمة للحرب إذا لم تغيّر إسرائيل سياساتها المتّبعة فيها، وذلك في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 4 نيسان/ أبريل 2024، على خلفية استهداف إسرائيل مركبات إغاثة إنسانية تابعة لـمنظمّة “المطبخ المركزي العالمي” في غزة في الأول من الشهر نفسه. وقد أدّى الهجوم إلى مقتل ستة من عامليها الغربيين، بينهم أميركي، إضافةً إلى سائقهم الفلسطيني. وأشار بايدن إلى أنّه يشعر بـ “الغضب والحزن الشديد” جرّاء هذا الهجوم، وأكد أنّ “إسرائيل لا تفعل ما يكفي لحماية عمال الإغاثة الذين يحاولون تقديم المساعدة للمدنيين الذين هم في أمسّ الحاجة إليها […] وأنها لا تفعل ما يكفي لحماية المدنيين”. جديرٌ بالذكر أنه جرت الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ويسكنسن قبل هذه المكالمة بيومين، حيت قرّر أكثر من 47 ألف ناخب ديمقراطي عدم الالتزام بالتصويت لبايدن؛ ما تسبّب في قلق كبير لحملة الرئيس، سيما أنّه فاز على الرئيس السابق دونالد ترامب في الانتخابات السابقة بفارق يزيد قليلًا على 20 ألف صوت في هذه الولاية. ويرتبط هذا السلوك التصويتي للناخب الديمقراطي بموقف الرئيس الداعم لإسرائيل في عدوانها على غزّة.

المطالب الأميركية وحدود التجاوب الإسرائيلي
شدّد الرئيس الأميركي بايدن، وفقًا لبيان البيت الأبيض في إثر الاتصال الهاتفي مع نتنياهو، على “أنّ الضربات التي تستهدف العاملين في المجال الإنساني، فضلًا عن الوضع الإنساني (في قطاع غزة) على نحو عام غير مقبولة”. وأوضح بايدن “ضرورة أن تعلن إسرائيل وتنفّذ سلسلة من الخطوات المحددة والملموسة والقابلة للقياس لمعالجة الضرر الذي يلحق بالمدنيين والمعاناة الإنسانية وسلامة عمّال الإغاثة (في قطاع غزة)”، وطالب نتنياهو بـ “الوقف الفوري لإطلاق النار لتحقيق الاستقرار وتحسين الوضع الإنساني وحماية المدنيين الأبرياء [..] وحثّه على تمكين مفاوضيه، من دون تأخير، من التوصّل إلى اتفاق لإعادة الرهائن إلى ديارهم”. وأكّد أنّه سيعيد النظر في “السياسة الأميركية في ما يتعلق بغزة” بناءً على التقييم الذي ستجريه إدارته “للخطوات الفورية التي ستتخذها إسرائيل”.

يبدو أنّ إدارة بايدن ذاهبة في اتجاه تخفيف حدّة لهجتها مع إسرائيل، زاعمة إنها آخذة في التجاوب معها

رغم أنّ البيان لم يحدد التداعيات التي يمكن أن تواجهها إسرائيل إذا لم تأخذ تهديدات الرئيس على محمل الجدّ، فإنّ وسائل إعلام أميركية مختلفة وصفت المكالمة، التي استغرقت نصف ساعة، بأنها كانت “متوترة”، ونقلت عن مصادر في إدارة بايدن قولها إنّ الرئيس يتوقع “تغييرات” إسرائيلية ملموسة. وذكر ثلاثة مسؤولين أميركيين أنّ بايدن وجّه إنذاراً لنتنياهو بأنّه إذا لم تغيّر إسرائيل مسار الحرب في قطاع غزّة، “فإنّه سيعيد النظر في الدعم المقدّم لها”. وكرّر وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، التأكيد على ذلك بالقول: “إذا لم نر التغييرات التي نحتاج إلى رؤيتها فسيكون هناك تغيير في سياستنا”.
مع ذلك، لا يبدو واضحاً ما سيترتّب على التفاف نتنياهو على طلبات واشنطن. هل يتضمن ذلك مثلًا وقف شحنات الأسلحة لإسرائيل أو وضع شروط على تصديرها، كما يطالب عدد من المشرّعين الديمقراطيين؟ لم يشر بايدن على وجه التحديد إلى إمكانية تقليص إمدادات الأسلحة أو وقفها خلال المكالمة، ولم يحدّد سقفاً زمنيًا لإسرائيل للتجاوب مع مطالبه، ومن ثمَّ، فإنّ تداعيات استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة على الموقف الأميركي تبقى غير واضحة. على النقيض من ذلك، يبدو أنّ إدارة بايدن ذاهبة في اتجاه تخفيف حدّة لهجتها مع إسرائيل، زاعمة أنها آخذة في التجاوب معها؛ فقد أشار بايدن بعد يوم واحد من مكالمته الهاتفية مع نتنياهو إلى أنّ الإسرائيليين “يفعلون الآن ما طلبت منهم القيام به”. وهو ما أكّدته الناطقة باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، أدريان واتسون، بقولها “نرحب بالخطوات التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية الليلة بناءً على طلب الرئيس بعد مكالمته مع رئيس الوزراء نتنياهو”. وأعلنت الحكومة الإسرائيلية فور انتهاء المكالمة الهاتفية بين بايدن ونتنياهو أنها وافقت على السماح بوصول المزيد من المساعدات الإنسانية “مؤقتًا” إلى قطاع غزّة عبر ميناء أسدود ومعبر إيريز في شمال القطاع، إضافةً إلى السماح بتدفق المزيد من المساعدات الأردنية عبر معبر كرم أبو سالم على الحدود مع مصر. وأعلنت أنها ستنشئ نظامًا جديدًا ومحسّنًا لـ “منع الاشتباك”، بهدف ضمان إيصال المساعدات إلى داخل قطاع غزّة، في إشارة إلى تطبيق إجراءات جديدة تضمن سلامة موظفي عمليات الإغاثة الإنسانية، مع تأكيدها أنّ ذلك سيتم بما “يضمن استمرار القتال وتحقيق أهداف الحرب”، وهو ما يعني عمليًا عدم استجابة إسرائيل لطلب بايدن “الوقف الفوري لإطلاق النار”.

يبدو التغيير المحتمل في المقاربة الأميركية، إن لم تستجب إسرائيل لمطالب إدارة بايدن محصوراً، بحسب بيان البيت الأبيض، بإدارة الحرب في غزة

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قرر طرد خمسة ضباط كبار أو توبيخهم؛ بموجب التحقيق الذي أجراه حول مقتل موظفي المطبخ المركزي العالمي، معللًا ذلك بأنّ الضباط “الذين وافقوا على شنّ الغارة كانوا مقتنعين بأنهم يستهدفون نشطاء مسلحين من حماس”، وبأنّ الهجوم كان “خطأ فادحًا نابعًا من الفشل في تحديد هويّة” المستهدفين، علمًا أنّ التحقيق داخل الجيش الإسرائيلي لا يُعدّ محايدًا. ورغم الاعتراف بالمسؤولية، فتوبيخ خمسة ضباط لا يرقى إلى المطلب الأميركي الذي حدّده بلينكن بضرورة إجراء “تحقيق مستقل وشامل وعلني”، وهو على كل حال مطلب متناقض؛ فكيف تُجري إسرائيل مع نفسها تحقيقًا موضوعيًا أو مستقلًا؟
أمّا بخصوص مطلب “الوقف الفوري لإطلاق النار” و”التوصّل إلى اتفاق لإعادة الرهائن إلى ديارهم”، فيرى بايدن أنه “ينبغي أن يكون هناك وقف لإطلاق النار بوصفه جزءًا من صفقة الرهائن ويجب أن يحدث ذلك على الفور”، ولهذا السبب حثّ نتنياهو “على تمكين مفاوضيه من إبرام صفقة من دون تأخير”. وطالب بضرورة أن تعمل إسرائيل على التوصل إلى تسوية مع حماس بشأن شرطها حول عودة النازحين إلى شمال قطاع غزة. وطالب مصر وقطر بالضغط على حماس لتقدّم تنازلات هي الأخرى بشأن شروطها من أجل إتمام صفقة تبادل الأسرى.

حدود التغيّر في المقاربة الأميركية
يبدو التغيير المحتمل في المقاربة الأميركية، إن لم تستجب إسرائيل لمطالب إدارة بايدن محصورًا، بحسب بيان البيت الأبيض، بإدارة الحرب في غزة، بناءً على التقييم الذي ستجريه الإدارة “للخطوات الفورية التي ستتخذها إسرائيل”، ويعني هذا أنّ الدعم الأميركي لإسرائيل بصورة عامة، بما في ذلك شحنات الأسلحة إليها، سيستمر. وكان لافتًا تشديد بيان البيت الأبيض على دعم واشنطن لإسرائيل في مواجهة “التهديدات الإيرانية العلنية ضد إسرائيل”، علمًا أنّ إسرائيل كانت قد شنّت، قبل ذلك بساعات، هجومًا استهدف مبنًى مجاورًا للسفارة الإيرانية في دمشق أسفر عن قتل سبعة ضباط من الحرس الثوري الإيراني، بينهم مسؤولان كبيران.

وافقت إدارة بايدن على إرسال المزيد من الأسلحة والذخائر لإسرائيل في اليوم نفسه الذي قُتل فيه موظفو مؤسسة المطبخ المركزي العالمي

ورغم تأكيد بلينكن أنه “إذا لم نر التغييرات التي نحتاج إلى رؤيتها (من قبل إسرائيل في قطاع غزة)، فسيكون هناك تغيير في سياستنا”، فإنّه لم يقدّم تعريفًا واضحًا لماهية ذلك التغيير، ومداه، وهو عكس ما يطالب به مشرّعون كبار في الحزب الديمقراطي، بمن فيهم السيناتور المقرّب من بايدن، كريس كونز، ورئيسة مجلس النواب السابقة، نانسي بلوسي. ففي الأسابيع الأخيرة، أخذ عددٌ متزايد من المشرّعين الديمقراطيين يطالب برهن المساعدات العسكرية لإسرائيل باستجابتها للشروط الأميركية، أو بتقديم أسلحة دفاعية فقط لها في هذه المرحلة. بل إنّ بايدن نفسه، وبعد يوم واحد من مكالمته مع نتنياهو، سخر من فكرة قطع إدارته المساعدات عن إسرائيل. فإدارة بايدن وافقت على إرسال المزيد من الأسلحة والذخائر لإسرائيل في اليوم نفسه الذي قُتل فيه موظفو مؤسسة المطبخ المركزي العالمي، بما في ذلك أكثر من ألف قنبلة تزن 500 رطل وألف قنبلة ذات قطر أصغر. ويرى خبير الأسلحة السابق في وزارة الخارجية الأميركية، جوش بول، الذي استقال احتجاجًا على سياسات الإدارة في قطاع غزة، أنّ القنابل ذات القطر الصغير التي قدّمتها الولايات المتحدة لإسرائيل قد تكون هي التي استُخدمت في قصف قافلة المطبخ المركزي العالمي.
ورغم معارضة بايدن لاجتياح إسرائيلي محتمل لمدينة رفح من دون خطط واضحة للتعامل مع قرابة مليون ونصف المليون نازح فلسطيني مقيمين فيها، فقد وافقت إدارته على حزمة جديدة من الأسلحة لإسرائيل بقيمة 2.5 مليار دولار تشمل 25 مقاتلة من طراز “إف-35 إي”، إضافةً إلى أكثر من 1800 قنبلة “إم.كيه 84” وزن ألفي رطل، و500 قنبلة “إم.كيه 82” وزن خمسمئة رطل، وهي القنابل التي تستخدمها إسرائيل في ارتكاب المجازر في حقّ المدنيين الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، الذين تزعم إدارة بايدن أنّها تريد تقليل الخسائر في صفوفهم. كما أعلنت إدارة بايدن مطلع نيسان/ أبريل موافقتها المبدئية على صفقة قيمتها 18 مليار دولار لتبيع لإسرائيل 50 طائرة مقاتلة من طراز إف-15، إضافةً إلى محركات وأنظمة مدافع ورادارات وأنظمة ملاحية، فضلًا عن صواريخ جوّ-جوّ، وذخائر هجومية متقدمة، وإنشاء بنى تحتية لوجستية وتطويرها، وتدريب وأعمال صيانة للأسطول الجوي الإسرائيلي. وكانت إسرائيل تقدّمت، خلال زيارة وزير دفاعها، يوآف غالانت، واشنطن، أواخر آذار/ مارس الماضي، بطلب آخر لشراء المزيد من طائرات إف-35.
ورغم أنّ هذه الصفقات الضخمة التي تراجعها حاليًّا لجنتا “العلاقات الخارجية” في مجلسَي النواب والشيوخ، يحتاج تنفيذها إلى خمس سنوات على الأقل في حالة مقاتلات إف-15، فإنّ إدارة بايدن تبدو مستعجلة في إبرامها، على الرغم من الضغوط الكبيرة التي تمارسها قواعد الحزب الديمقراطي وبعض مُشرِّعيه في الكونغرس لاستخدام ورقة التسليح أداة ضغط على إسرائيل لتغيّر مقاربتها في الحرب على غزة. ويرى بلينكن أنّ استمرار نقل الأسلحة إلى إسرائيل يهدف إلى معالجة المخاوف الأمنية الإسرائيلية الأوسع، بما يتجاوز الصراع في غزة، وأنّ إبطاء مبيعات الأسلحة إليها أو خفضها أو وضع شروط عليها قد يشجّع إيران وحلفاءَها الإقليميين على مهاجمتها، ويُضعف قوة الردع الإسرائيلية ضدّهم.

احتمال أن يضطر بايدن القلِق من انقسام قاعدته الديمقراطية بشأن الحرب في غزة، إلى اتخاذ إجراءٍ ما يدفع إسرائيل إلى الاستجابة لمطالبه لإرضاء قاعدة حزبه

يعني هذا أنّ إدارة بايدن غير مستعدة للذهاب أبعد من انتقاد سلوك إسرائيل في قطاع غزة إلى خطوات عملية لتجبرها على تغيير هذا السلوك. فقد امتنعت في 25 آذار/ مارس عن استخدام حق النقض (الفيتو) ضدّ قرار تبنّاه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يطالب بوقفٍ فوري وغير مشروط لإطلاق النار في غزة، والإفراج عن كل المحتجزين، والسماح بدخول المزيد من المساعدات للقطاع؛ ما أثار غضب نتنياهو الذي ألغى زيارة وفدٍ إسرائيلي حينها إلى واشنطن لمناقشة خطة اجتياح مدينة رفح. غير أنّ الردّ الأميركي أفاد أنّ القرار غير ملزم لإسرائيل، على أساس أنّه مدرج تحت البند السادس، وأنّه لا يدعو إلى وقفٍ دائم لإطلاق النار. وقبل ذلك، اعتبر بايدن، في 10 آذار/ مارس، أنّ اجتياحًا إسرائيليًا لرفح سيكون بمنزلة “خط أحمر بالنسبة إليه”، إلا أنّ البيت الأبيض سارع إلى نفي أنّ الرئيس قصد وجود عواقب لتجاوز إسرائيل ذلك الخط الأحمر.

خاتمة
تذهب تقديرات إلى أنه في غياب قرار أميركي باتخاذ إجراءات فعلية لإجبار إسرائيل على تغيير سلوكها في غزة، فإنّ نتنياهو سوف يحاول على الأرجح المناورة والالتفاف على المطالب الأميركية ليتجنّب صدامًا مباشرًا مع إدارة تُعدّ الأكثر قربًا من إسرائيل على الإطلاق. في المقابل، تنصرف الأنظار حاليًا إلى مجلس النواب الأميركي الذي سيصوّت في الأيام القليلة القادمة على حزمة مساعدات عسكرية واسعة بقيمة 95 مليار دولار لكلٍّ من أوكرانيا وتايوان وإسرائيل. ويبدو حتى الآن أنّ 20 نائبًا ديمقراطيًا قد يرفضون – على خلفية عدم وضع شروط على المساعدات العسكرية لإسرائيل- التصويت إلى جانب الأغلبية الجمهورية الضئيلة، التي تعاني هي نفسها الانقسام على خلفية المساعدات لأوكرانيا تحديدًا؛ ما قد يعني فشل إقرار هذه الحزمة من المساعدات التي يطالب بها البيت الأبيض. يبقى احتمال أن يضطر بايدن القلِق من انقسام قاعدته الديمقراطية بشأن الحرب في غزة، قبل سبعة أشهر من الانتخابات الرئاسية، إلى اتخاذ إجراءٍ ما يدفع إسرائيل إلى الاستجابة لمطالبه لإرضاء قاعدة حزبه، وإنقاذ حظوظه الانتخابية.