استراتيجية شاملة حول سورية: الخطوات المقبلة للغرب

استراتيجية شاملة حول سورية: الخطوات المقبلة للغرب

لايزال الصراع المستمر بين نظام الرئيس بشار الأسد وبين مختلف مجموعات المعارضة أبعد مايكون عن الحل. ويتعيّن على صانعي السياسات الأميركيين والأوروبيين أن ينظروا إلى أبعد من أهداف مؤتمر جنيف 2 حول سورية، الذي عُقد في بداية العام 2014، وأن يضعوا استراتيجية شاملة من أجل دفع الصراع نحو التسوية.

التوصيات

  • التشجيع على توسيع قاعدة تمثيل المعارضة السورية. ينبغي على الأطراف المعنية الغربية أن تساعد في بناء الثقة في صفوف المعارضة السورية لإنشاء جبهة موحّدة يمكن أن تقود الدولة في مرحلة مابعد الأسد.
  • توطيد قدرة المعارضة السورية على الحوكمة. إنّ تعزيز شبكة المجالس المحلية في سورية ضروري من أجل تشكيل حكومة انتقالية.
  • البدء بحوارٍ مع عناصر من الجيش الوطني. إذ تمتلك شخصيات الجيش العربي السوري إمكانية ترجيح الكفّة ضد الأسد، ويمكن أن تساعد في الحدّ من احتمال حدوث فراغ في السلطة بعد رحيل الأسد.
  • إشراك روسيا في حوارٍ عن الانتقال من حكم الأسد. ينبغي على الغرب أن يضمن مصالح موسكو الاستراتيجية في سورية في مرحلة مابعد الأسد، وأن يقدّم لموسكو بديلاً ممكناً عن الرئيس السوري الحالي.
  • تزويد مجموعات المعارضة بالأسلحة التي تُمكِّنها من قلب ميزان القوى لصالحها. فالأسلحة ستحميها في مواجهة هجمات النظام الشرسة، وتسمح لها ببسط سلطتها على المناطق التي يسيطر عليها المتمرّدون، وتساعدها في محاربة الجهاديين.
  • التعاون مع بلدان الخليج لوضع حدّ للدعم الخارجي للمجموعات الجهادية الناشطة في سورية. ينبغي تشجيع قطر والمملكة العربية السعودية خصوصاً على وقف الاعتماد على المجموعات الجهادية لإسقاط الأسد.
  • وضع حدّ للتواصل مع نطام الأسد باسم التعاون في مجال مكافحة الإرهاب. فهذا التواصل يسهم فقط في تعزيز ادّعاء الأسد بأنه يملك الشرعية، وفي دعم الجهاديين.
  • استخدام المحادثات النووية الجارية مع إيران لإبرام صفقة إضافية حول سورية. يمكن حثّ طهران على تقديم تنازل في الشأن السوري من أجل ضمان إبرام اتفاق حول الملف النووي.

الدروس المستفادة من جنيف 2

تدخل الأزمة السورية عامها الرابع وما من حلّ واضح في الأفق. تُواصِل حكومة الرئيس بشار الأسد هجومها العسكري الضاري بحجة محاربة الإرهابيين، فيما تحاول المعارضة تنحية الأسد عن السلطة في ظل غياب استراتيجية سياسية أو عسكرية ناجعة لتحقيق هذا الهدف.

في خلال مؤتمر جنيف 2 حول سورية في أوائل العام 2014، عُقدت جولتان من المفاوضات بين الحكومة السورية وبين أعضاء من المعارضة. ووصفت مجموعة أصدقاء سورية، المؤلّفة من جهات دولية مختلفة من بينها الولايات المتحدة، المؤتمر بأنه المنصة الوحيدة التي يمكن من خلالها وضع حدّ للأزمة. بيد أنّ المفاوضات انتهت من دون أن تحقّق المجموعة هدفها بتشكيل حكومة انتقالية في سورية.

نتجت أربعة دروس أساسية من جنيف 2.

أوّلاً، أظهر أداء النظام السوري في المؤتمر بشكل واضح أنّ ما من حلّ يمكن بلوغه في ظل بقاء الأسد في السلطة، ذلك أنّ النظام يرفض تقديم تنازلات سياسية. طوال فترة المؤتمر، واصلت الحكومة سردها حول محاربة الإرهاب، ولكنّ هذا السرد لم يثبت في وجه تدقيق وسائل الإعلام أو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وهو ائتلاف مجموعاتٍ معارضة في المنفى فاوضت النظام وجهاً لوجه في جنيف.

ثانياً، زاد أداء الائتلاف الوطني في خلال المؤتمر شرعية الائتلاف محليّاً وخارجيّاً. عشية انعقاد مؤتمر جنيف 2، كان الائتلاف الوطني قد تعرّض إلى انتقادات شديدة بسبب عدم تمثيله مجموعات المعارضة السورية كافة، وضعف ارتباطه بالمتمرّدين في داخل سورية. لكنّ عمل الائتلاف في الجولة الأولى من مؤتمر جنيف 2 كان جديراً بالثناء. وهو قادرٌ الآن على أن يشكّل مجموعة سياسية رئيسة من شأنها أن تصبح أكثر تمثيلاً في الفترة المقبلة.

مع أنّ الائتلاف الوطني لم يتوصّل إلى اتفاق مع نظام الأسد على أيٍّ من المسائل التي تم نقاشها في المؤتمر، إلا أنّه فاز في لعبة العلاقات العامة. على المستوى العلني، قدّم رئيس الائتلاف الوطني أحمد الجربا مطالب المعارضة بشكل منطقي، متمسّكاً بهدف تشكيل حكومة انتقالية في سورية حُدَّدَت معالمها في مؤتمر جنيف 1 الذي عُقد في صيف العام 2012. وخلف الكواليس، أعرب الجربا أمام شخصيات ومجموعات معارضة أخرى عن استعداده للاستماع إلى أفكارهم وإشراكهم في العملية الانتقالية.

أدّى هذا النجاح إلى حدوث تفاعل تسلسلي، إيجابي ولكن محدود، في صفوف أعضاء آخرين من المعارضة السورية كانوا، في الفترة السابقة لجنيف 2، ينأون بأنفسهم عن الائتلاف الوطني أو يشعرون بأنه يستبعدهم. على الرغم من فشل المفاوضات، أعاد أداء الائتلاف إلى السوريين بعض الثقة الحذرة في قدراته السياسية. بيد أنّ هذه الثقة ليست مطلقة. ومع أنّ هذه المجموعات التي جرى استبعادها (أو استبعدت نفسها) عن الائتلاف الوطني، مثل هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي وأعضاء في الجيش السوري الحر، هي اليوم أكثر استعداداً للمشاركة، إلا أن الشكّ لايزال يخيّم إلى حدّ كبير بين الفصائل المتنافسة في المعارضة السورية.

ثالثاً، عارضت روسيا منذ فترة طويلة أي مبادرة أطلقها أصدقاء سورية لحلّ الصراع، بما في ذلك نقض القرارات التي اتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بحقّ نظام الأسد. على الرغم من موقفها المتشدّد في خلال المؤتمر، تعني موافقة روسيا على عقد مؤتمر جنيف 2 أنّ موسكو تقرّ ضمناً بوجود طريق نحو انتقال سياسي في سورية.

رابعاً، سمح المؤتمر لمختلف الأطراف المعنيّة بإجراء محادثات عبر القنوات الخلفية، يُرجَّح أن تكون حصيلتها أكثر أهمية من نتائج المؤتمر الرسمية التي اقتصرت على هدنة قصيرة في مدينة حمص، وعلى إيصال بعض المساعدات الإنسانية.

المشاكل العالقة

كان جزءٌ من الدافع إلى عقد مؤتمر جنيف 2 قلق الأطراف المعنيّة الغربية من احتمال وقوع الفوضى في حال إطاحة الأسد من دون تشكيل حكومة انتقالية. لكنّ جنيف 2 فشل في معالجة عدد من المسائل التي تحتاج إليها أي حكومة انتقالية لتحقيق النجاح.

ثمة مشكلة أساسية متبقّية وهي أنّ سورية تفتقر إلى معارضة قابلة للاستمرار من شأنها أن تشكّل نواة الحكومة الانتقالية. فقد كانت المعارضة منقسمة منذ بداية الأزمة السورية، وتفتقر إلى استراتيجية سياسية وعسكرية.

فيما يتحمّل السوريون جزءاً من المسؤولية عن هذا التشرذم، تُعزى الانقسامات في صفوف المعارضة أيضاً إلى أفعال داعميها الدوليين. كان الدعم الخارجي للمعارضة متفاوتاً، إذ أن المجتمع الدولي اختار أن يتعامل مع بعض مجموعات المعارضة دون سواها، مركّزاً على المجموعات المتواجدة في الشتات، ومتجاهلاً إلى حدّ كبير الأطراف الفاعلة على الأرض في سورية. بشكلٍ خاصّ، كانت معونات الولايات المتحدة وأوروبا المقدّمة إلى المعارضة في داخل سورية ضئيلة. وليست المساعدات العسكرية متدنية المستوى وغير الفتاكة التي يقدّمها الجانبان كافية لقلب ميزان القوى في البلاد. فالمعارضة على الأرض تحتاج إلى دعم أقوى على المستويات كافة، عسكريّاً وغير ذلك، من أجل زيادة الضغط على نظام الأسد والتمكّن من الحفاظ على الاستقرار بعد رحيل الأسد.

لم يتمّ وضع أي نهج في المؤتمر لتوحيد الجيش السوري في مرحلة مابعد الأسد، ولم تتبلور كذلك أي استراتيجية واقعية، إن سوريّة أو أجنبية، للتعامل مع المتطرفين الجهاديين المشاركين في الحرب الأهلية.

في مرحلة مابعد الأسد، لايمكن لأي انتقال سياسي أن يكون قابلاً للاستمرار إذا ظل الجيش منقسماً. منذ حدوث الانقلاب الذي أتى بالرئيس الأسبق حافظ الأسد إلى السلطة في العام 1970، أُنشئ النظام السياسي البعثي في سورية على أُسُس عسكرية لن تزول بمجرّد تنحية بشار الأسد عن السلطة. في الوقت الراهن، يخوض الجيش السوري الحر اشتباكاً مباشراً مع الجيش الرسمي التابع للنظام، الجيش العربي السوري. في غضون ذلك، يصبح الجيش العربي السوري طائفيّاً أكثر فأكثر، ويمنح المزيد من النفوذ إلى الضباط العلويين الرفيعين على حساب الضباط السنّة بسبب تزايد عدم الثقة الناجم عن صعود الجهاديين السنّة الذين يواجهون مباشرة الجيش السوري. فالنظام لم يَعًد واثقاً من أنّ الضباط السنّة يمكن الاعتماد عليهم لمواجهة غيرهم من السنّة.

حتى إذا أفضى جنيف 2 في نهاية المطاف إلى اتفاق على انتقال سياسي، لن يكون هذا الانتقال قابلاً للاستمرار إذا لم تؤخَذ هذه المسائل في عين الاعتبار. وبالتالي، ينبغي على الأطراف المعنية النظر أبعد من محادثات جنيف 2 لدفع الصراع نحو الحلّ.

توسيع إطار العمل
يبدأ الحلّ بالبحث عن كثبٍ في أدوار المجموعة الواسعة من الأطراف المعنيّة في سورية. وقد تصاعدت وتيرة الصراع على مرّ السنوات ليشمل الكثير من الجهات الفاعلة السياسية والعسكرية. وترافق هذا التصعيد مع إغلاق نافذة حلّ الصراع عبر قناة واحدة فقط، إن دبلوماسية أو عسكرية.

للتوصّل إلى حلّ مُجدٍ للصراع السوري، لابدّ من وضع استراتيجية شاملة تجمع العوامل الخارجية والمحلية بعضها بعضاً وتعالج العقبات الرئيسة التي لاتزال موجودة. ومع الإقرار بأنّ نظام الأسد هو المذنب الأوّل ومصدر الصراع، تتمحور كل العقبات التي تحول دون التوصّل إلى حلّ حول الأدوار التي يؤدّيها سائر الأطراف المعنيّة، ولاسيما روسيا وإيران وبلدان الخليج والولايات المتحدة.

روسيا
تساعد روسيا الأسد خارجيّاً وداخليّاً. فإضافةً إلى نقض القرارات التي اتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بحقّ النظام، تساعد موسكو أيضاً حكومة الأسد في حربها ضد المعارضة على الأرض. وقد منحت مساعدات روسيا العسكرية والسياسية الأسد الأفضلية والثقة بأنه قادر على كسب الصراع. ناهيك عن أنّ إبرام موسكو صفقة وافَقَ بموجبها النظام السوري على تدمير أسلحته الكيميائية أعطى الأسد شعوراً بالشرعية تجاه المجتمع الدولي.

لقد اتخذت موسكو هذه الخطوات لسببَين أساسيَّين. فهي تُعزى جزئيّاً إلى مخاوفها بشأن مصالحها الاستراتيجية، مثل سفنها الحربية في مرفأ طرطوس في شمال سورية. وهي تحاول أيضاً تأكيد مكانتها الدولية مقابل الولايات المتحدة. فقد ثبُت أنّ الورقة السورية مفيدة لروسيا في هذا الصدد – عبر اتخاذها موقفاً متشدّداً تجاه الأزمة السورية، دفعت موسكو واشنطن إلى مناشدة روسيا باعتبارها قوة عظمى على قدم مساواة مع الولايات المتحدة.

لكنّ الدعم الروسي ليس مطلقاً. فروسيا غير متمسّكة بشخص بشار الأسد، ولاتملك نفوذاً كليّاً على دمشق. ومع أنّ روسيا تقدم موقفها على أنّه وقوف في وجه التدخّل الدولي في الشؤون الداخلية لدول أخرى تواجه اضطرابات محليّة (كما كانت الحال في ليبيا)، إلّا أنّها ترى في نظام الأسد ورقة مساومة أخرى في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي حول مكانة موسكو.

إيران
سمحت إيران للأسد باتخاذ موقف لاهوادة فيه في الصراع. وأمرَت حليفها اللبناني حزب الله بمساعدة النظام السوري بشكل ناشط. موقف إيران المُعلَن هو أنّ حزب الله هو خط الدفاع الأول ضد إسرائيل، وأنّ سورية هي الطريق الرئيس لنقل أسلحة حزب الله إلى لبنان. إذن، تضع إيران دعمها للأسد في إطار مخاوفها الأمنية من إسرائيل.

كانت العقوبات المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي تزيد من صعوبة دعم طهران للأسد. لكن هذه العقوبات رُفِعَت جزئيّاً في خلال المفاوضات الدولية مع إيران بشأن برنامجها النووي، الأمر الذي سمح لطهران بالتقاط أنفاسها فيما هي تسعى جاهدةً إلى مواصلة دعمها المالي للأسد.

على الرغم من هذا الدور البارز، استُبعِدَت إيران عن المفاوضات الدولية بشأن سورية، الأمر الذي سمح لها بمواصلة التملّص من مسؤولية أفعالها تجاه المجتمع الدولي.

بلدان الخليج
تساعد المملكة العربية السعودية وقطر مكوّنات متعدّدة في المعارضة، عبر قدراتهما الرسمية كدولتين، أو عبر شبكتهما المؤلّفة من جهات فاعلة غير حكومية، مثل بعض المواطنين والمجموعات التي تمتلك طموحات سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية. وهدفهما في القيام بذلك لايتمثّل بإطاحة الأسد وحسب، بل أيضاً بحماية مصالحهما وضمان حصّتهما في الصراع السوري ونتائجه.

تتنافس المملكة العربية السعودية وقطر على النفوذ الإقليمي منذ تولّى أمير قطر السابق، حمد بن خليفة آل ثاني، السلطة في العام 1995 ورأى في تراجع دورَي المملكة العربية السعودية ومصر في الشرق الأوسط فرصةً كي تحتل قطر موقع الزعامة السياسية في العالم العربي. وهذا التنافس يجري ضمن المعارضة السورية في ظلّ دعم قطر للجيش السوري الحر والإخوان المسلمين، ودعم السعودية لأعضاء المعارضة الآخرين الذين يشكّلون القوى المهيمنة في الائتلاف الوطني. وقد ساهمت هذه المنافسة في الانقسامات التي تشهدها المعارضة السورية، وأضعفت هذه الأخيرة في وجه نظام الأسد.

زِد على ذلك أن بلدان الخليج كانت أيضاً الراعي الرئيس لعددٍ من المجموعات الإسلامية الجهادية التي انتقلت من مواجهة قوات الأسد فقط إلى القتال ضدّ الجيش السوري الحر ومجموعات المعارضة الأخرى، إضافة إلى القتال ضدّ بعضها بعضاً. وهذا أدّى أيضاً إلى إضعاف المعارضة السورية أكثر.

الولايات المتحدة
يُنظَر إلى السياسة الأميركية تجاه الصراع السوري على أنها غير فعّالة. وهذه النظرة ليست نظرة نظام الأسد وداعميه وحسب، بل أيضاً نظرة حلفاء الولايات المتحدة مثل السعودية.

لم يصدّق نظام الأسد، في الأيام الأولى للصراع، أن الولايات المتحدة أرادت فعلاً خروج الرئيس السوري من السلطة، وفيما تطوّر الصراع، زادت الخطوط الحمراء الزائفة التي وضعتها الإدارة الأميركية من ثقة الأسد. ثم عزّز صعود الإسلاميين الجهاديين في سورية موقف الأسد أكثر، وقد أشارت التقارير إلى اتصالات سرّية تُجرى بين أجهزة المخابرات الغربية ونظام الأسد بدافع محاربة صعود المتطرّفين الجهاديين في سورية، الذين وسّعوا نطاق أنشطتهم لتشمل البلدان المجاورة مثل العراق ولبنان. وبدا أن للولايات المتحدة مصلحة راسخة في الوضع الراهن إذ سارت في موكب مكافحة الإرهاب مؤكّدةً الخطاب السائد بأن الجهاديين سيستولون على سورية إذا سقط النظام.

إضافة إلى ذلك، انتقلت السياسة الأميركية تجاه الصراع السوري من التهديد بالتدخّل العسكري إلى الإعراب عن المخاوف إزاء الإفراط في توسيع التدخّل الأميركي. هذا الأمر أساء إلى موقع واشنطن القيادي عالمياً، ولاسيما مقارنةً بروسيا، وفتح المجال أمام الجهات الإقليمية الفاعلة لتؤدّي دوراً أكثر بروزاً في الشرق الأوسط. وهذا كلّه لم يساهم إلا في إطالة أمد الصراع وإبقاء الأسد في السلطة.

الاستراتيجية الشاملة

بينما يبحث كلٌّ من الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، والمعارضة السورية في الخطوات التالية التي يجب القيام بها، على الأطراف المعنيّة كافة أن تنظر نظرةً شاملة إلى الأزمة والفرص المتاحة التي يمكن أن تؤدّي إلى حلّ. كما يتعيّن على صانعي السياسات الغربية أن ينظروا أبعد من محادثات جنيف 2 ويتّخذوا عدداً من التدابير السياسية.

التشجيع على توسيع قاعدة تمثيل المعارضة السورية. ينبغي على الأطراف المعنيّة الغربية أن تساعد في بناء الثقة بين مختلف مجموعات المعارضة السورية، في داخل البلاد وخارجها، ولاسيما أن الشقاق بين شمال سورية وجنوبها يكبر جرّاء التنافسات السياسية التي يحرّكها الداعمون الخارجيون (قطر وتركيا في الشمال، والسعودية في الجنوب). لهذه الغاية، يجب أن يعمل الغرب مع الائتلاف الوطني بغية التواصل مع الشخصيات والمجموعات التي بقيت حتى الآن خارج عمليات الانخراط الدولي، بدءاً من الضباط المنشقّين وصولاً إلى اللجان المحلية. ويجب أن يصغي الائتلاف الوطني وداعموه الدوليون إلى ما لدى هذه الشخصيات والمجموعات لتقدّمه، ويدمجوا مساهماتها المحتملة في استراتيجية انتقالية. وعلى الرغم من أن مجموعات المعارضة انتقدت إحداها الأخرى علناً، إلا أن ثمة أساساً جيّداً لقواسم مشتركة يمكن الاستناد إليه للاستمرار في توسيع مشاركة مجموعات المعارضة وشخصياتها في محادثات لاحقة في جنيف وغيرها من المنتديات الدولية.

توطيد قدرة المعارضة السورية على الحوكمة عبر مبادرات تُمكِّن المجالس المحلية. يتعيّن على الدول الغربية أن تزيد دعمها للمعارضة في داخل سورية. فالولايات المتحدة والأطراف الدولية الفاعلة الأخرى ترسل دعماً متدنّي المستوى إلى المعارضة في البلاد، لكن ذلك لم يساهم إلا في المحافظة على بقاء المعارضة مقابل بقاء النظام. وفي ظلّ غياب الضغط الدولي القوي على الأسد، والدعم المتواصل من روسيا وإيران، وصفقة الأسلحة الكيميائية، وتعاون المخابرات الغربية مع نظام الأسد لمحاربة المجموعات الجهادية، يبدو أن الرئيس السوري لايرغب في المساومة.

فضلاً عن ذلك، تحتاج المناطق الواقعة تحت سيطرة كلٍّ من النظام والمتمرّدين إلى اختيار قادة محليين يستطيعون تمثيل أنفسهم وإقامة قنوات اتصال بين مختلف المناطق في سورية، ولاسيما بين الشمال الخاضع إلى سيطرة الإسلاميين وبين الجنوب الخاضع إلى سيطرة الجيش السوري الحر، فيضعون بذلك الأساس اللازم لقيام حوكمة محلية لامركزية تُعَدّ ضروريةً لإنشاء حكومة انتقالية. وعلى الغرب أن يقدّم التدريب لهؤلاء القادة، ويصغي إلى مايحتاجون إليه من دعم لوجستي محدَّد ويلبّيه.

البدء بحوارٍ مع عناصر من الجيش العربي السوري وشخصيات عسكرية أخرى قادرة على توحيد الجيش في حقبة مابعد الأسد. لقد أشرك الغرب الجيش السوري فقط من خلال تقديم الدعم إلى الجيش السوري الحر، متجاهلاً قدرة الجيش العربي السوري الوطني المحتملة على قلب ميزان القوى. وقد عكس الائتلاف الوطني موقف المجتمع الدولي، وامتنع أيضاً عن أخذ دور الجيش في الصراع في عين الاعتبار على الرغم من أن سورية تُحكَم على أساس السيطرة العسكرية.

لذلك، ينبغي أن تتضمّن أي تسوية سياسية استراتيجيةً لمصالحة هذين الطرفين العسكريَّين المتخاصمين. لكن نظراً إلى التركيبة الطائفية للجيش العربي السوري، لن تتمكّن قيادة الجيش السوري الحر من وضع الضباط العلويين من الجيش الوطني تحت كنفها. حالياً، يتمتّع بعض الضباط ذوي الرتب العالية الذين انشقّوا عن النظام، بالرؤية والمصداقية لمدّ اليد إلى الضباط العلويين في الجيش الوطني، إلا أنهم يفتقرون إلى التمويل فضلاً عن أن الغرب استثناهم إلى حدٍّ كبير.

وهكذا، يستطيع صانعو السياسات الغربيون، من خلال إشراك هؤلاء الضباط، أن ينسّقوا مع شخصيات رئيسة في الجيش العربي السوري للبدء بعملية فكّ ارتباط النظام بالأسد نفسه. ويجب أن تقرّ الخطوات الناتجة عن ذلك إقراراً واضحاً بالأدوار المكمِّلة التي يمكن أن تضطّلع بها الشخصيات السياسية والعسكرية في المرحلة الانتقالية. من شأن هذا الأمر أن يساهم في التقليص من احتمال حصول فراغ في السلطة عقب رحيل الأسد، وفي التخفيف من الانقسامات الطائفية المحتملة في صفوف الجيش وأمكنة أخرى.

إشراك روسيا في حوارٍ عن الانتقال من حكم الأسد، وإعطاء موسكو تطمينات سياسية واستراتيجية. بعد أن أوقفت روسيا محاولات التدخّل العسكري الغربي من خلال الفيتو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في جهدٍ لدفع المجتمع الدولي إلى قبول حلٍّ سياسيٍّ للصراع السوري، أثبتت الآن أنها لاعب سياسي جدّي في مواجهة الولايات المتحدة. ولذلك يتعيّن على الغرب أن يبني على هذه الثقة الروسية من خلال ضمان مصالح روسيا الاستراتيجية في سورية مابعد الأسد (مثل تواجدها في مرفأ طرطوس واتفاقات السلاح التي أبرمتها مع الجيش السوري)، ويقدّم لموسكو، في الوقت نفسه، بديلاً ممكناً عن الأسد.

يعني ذلك البدء بحوارٍ عن بنيات النظام التي يمكن الإبقاء عليها مابعد الأسد وبأي صفة. كما يعني التواصل مع العناصر السياسية في النظام التي يمكن أن تُبدي قبولاً أكبر بالتغيير إذا اقتضى الانتقالُ المحافظةَ على درجةٍ من النفوذ لهذه العناصر، بما أنها من المرجّح أن تشكّل بدائل سياسية مقبولة لروسيا.

لقد وضعت روسيا الإرهاب من ضمن الأسباب التي تدفعها إلى دعم النظام، محذِّرةَ من أن إزاحة الأسد قد تسفر عن فراغ في السلطة يمكن أن تشغله المجموعات الجهادية المعادية لموسكو. وفي حين أن إنشاء حكومة انتقالية قوية وجيشاً موحّداً هما هدفان طويلا الأمد، من شأن غرس بذور الانتقال الآن أن يناقض هذا الخطاب الروسي، وأن يقدّم للشعب السوري بديلاً واقعياً عن المعضلة الراهنة وهي الشعور بضرورة الاختيار مابين البعثية والتطرّف.

ثمة تخوّف أيضاً من أن يعمد الأسد إلى تصعيد الحرب باستخدام أسلحة الدمار الشامل إذا ماشَعَرَ بأن روسيا على وشك أن تتخلّى عنه. يمكن استباق هذا الأمر عن طريق العمل على فكّ ارتباط ضباط الجيش الحكومي بالنظام بغية الحدّ من قدرات الأسد التصعيدية.

تزويد مجموعات المعارضة بالأسلحة التي تُمكِّنها من قلب ميزان القوى لصالحها. صحيح أن روسيا وإيران من المرجّح أن يزيدا دعمهما العسكري للأسد إذا عمد الغرب إلى تجهيز المعارضة السورية تجهيزاً عسكرياً أفضل، إلا أن توزيع الأسلحة على المعارضة في المناطق الاستراتيجية الأساسية يمكن أن يساعد في قلب ميزان القوى على الأرض للضغط على النظام. وسيساهم تزويد مجموعات المعارضة بالأسلحة في حمايتها من هجمات النظام، والسماح لها ببسط سلطتها على المناطق الخاضعة إلى سيطرة المتمرّدين، ومساعدتها في قتالها ضد الجهاديين.

التعاون مع بلدان الخليج لوضع حدٍّ للدعم الخارجي للمجموعات الجهادية الناشطة في سورية. تأتي رغبة بلدان الخليج في إزالة الأسد من السلطة بدافعٍ كبيرٍ من قلقها على نفوذها في المنطقة، ولاسيما في مواجهة إيران، وفي مواجهة بعضها البعض أيضاً. بيد أن اعتماد هذه البلدان على المجموعات الجهادية لإطاحة الأسد بدأ ينعكس سلباً عليها. فكلما طال الصراع، دخل مزيدٌ من الجهاديين إلى سورية لتزداد احتمالات انعدام الاستقرار في بلدانهم بعد عودتهم إليها. ولذلك ينبغي على الغرب أن يعمل بشكل منهجي أكثر مع السعودية وقطر للَجم مواطِنيهما الذين يدعمون الجهاديين.

وضع حدٍّ للتواصل مع نظام الأسد باسم التعاون في مجال مكافحة الإرهاب. فهذا التواصل لايسهم إلا في تعزيز ادّعاء الأسد بأنه يمتلك الشرعية، وفي دعم الجهاديين. فالحجّة الوحيدة المتبقّية للأسد لإضفاء الشرعية على نظامه تتمثّل بخطابه القائل بأن الصراع هو قتال ضدّ الإرهاب – بدلاً من قمع انتفاضة – وهذا الخطاب ليس مقنعاً.

عوضاً عن تصوير الجهاديين على أنهم عدو مشترك للغرب ونظام الأسد، يتعيّن على صانعي السياسات الغربيين أن يقرّوا بأن هؤلاء الجهاديين هم نتاج النظام نفسه. بعض المجموعات هو نتاج غير مباشر، بَرزَ من الرغبة في قتال الأسد وحلفائه، في حين أن البعض الآخر هو نتاج مباشر أكثر، مُوِّل أو شُجِّع أو مُنِح هامشاً من الحرية من جانب النظام للقتال نيابةً عنه.

وهكذا، يمكن لإزالة الأسد من السلطة أن تلغي مبرِّر وجود هذه المجموعات. فمع إطاحة الأسد سيتفكّك عدد من المجموعات الموجودة بسرعة، فيما المجموعات المتبقّية سُتعرِّض نفسها إلى الملاحقة الشرعية من قبل الدولة السورية بعد الأسد. هذا وتبدو بعض المجموعات الإسلامية منفتحةً أيضاً على الانخراط السياسي مع الغرب.

استخدام المحادثات النووية الجارية مع إيران لإبرام صفقة إضافية حول سورية. مع أن إيران استُبعِدَت عن مؤتمر جنيف 2، إلا أنها قدّمت أداءً جيداً في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في كانون الثاني/يناير 2014. فهناك أكّد الرئيس الإيراني حسن روحاني على رغبة بلاده في زيادة انخراطها مع المجتمع الدولي.

الواقع أن رغبة إيران في تحسين علاقاتها مع الغرب توفّر فرصةً أساسيةً للتفاوض حول سورية. ومع أن صانعي السياسات الغربيين يتخوّفون من إضافة بند جديد على أجندةٍ دقيقةٍ في الأصل، إلا أنهم يجب ألا يفصلوا الملف السوري عن الملف النووي الإيراني. فالمفاوضات النووية كانت مشجِّعةً عموماً وأظهرت أن إيران ليست غير مستعدّة للاتفاق على التضحية ببعض الخطط لتحقيق مكاسب أكبر. وهذا الأمر يشكّل فرصةً لاستخدام سورية كعامل إضافي يمكن أن تُحَثّ إيران على المساومة عليه لاجل الاتفاق النووي الثمين. بيد أن ذلك لن يتحقّق إلا إذا رأت إيران أن احتمالات بقاء نظام الأسد في السلطة قد تقلّصت، الأمر الذي سيجعل سورية ورقة تفاوضٍ أقلّ جاذبية لها.

يُذكَر أن السعودية حثّت على استبعاد إيران عن مؤتمر جنيف 2. لكن ينبغي على الغرب أن يقنع الرياض بأن طالما بقيت إيران خارج المفاوضات فلا يمكن مساءلتها على أفعالها. وفتحُ خطوط الانخراط مع إيران لايعني التقليل من مكانة السعودية في المنطقة، ولاسيما أن الرياض هي حليف مهمّ للغرب. كما أن إشراك إيران سيجعلها أقلّ عدائيةً، الأمر الذي سيكون له أثرٌ مهدِّئ على البلدان الأخرى في الشرق الأوسط حيث تؤدّي السعودية دوراً رئيساً، مثل لبنان واليمن.

آن أوان التغيير

لقد جرى تفويت فرص عدة لحلّ الصراع السوري، بدءاً من قرارات مجلس الأمن التي نُقِضَت، وصولاً إلى الخطوط الحمراء غير الواضحة والهجمات العسكرية التي أُلغيَت. هذه الفرص يجب ألا تفوَّت مرةً أخرى.

كما أن مفاوضات المسار الأول ليست قابلة للاستمرار، بل إن المطلوب هو استراتيجية شاملة تبني على القواسم المشتركة بين الأطراف المعنيّة. وسيتطلّب ذلك توسيع المنظار الذي تتطلّع من خلاله الأطراف المعنية الغربية إلى الصراع، إضافة إلى توسيع شبكاتها وطرق انخراطها. سيكون من الصعب تطبيق هذه التدابير السياسية، غير أن البديل هو إما بقاء دولة دموية وقمعية يقودها الأسد إلى أجَلٍ غير محدَّد، وإما قيام دولة فاشلة يسيطر عليها الإرهاب.

 لينا الخطيب

مركز كارنيغي للشرق الاوسط