لعبة بوتين في إيران تتفوق على أوباما

لعبة بوتين في إيران تتفوق على أوباما

من السهل تفسير لماذا يريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتفاقًا متعدد الأطراف مع إيران، أكثر من تفسير موقف الرئيس الأمريكي باراك أوباما. المكاسب السياسية والاقتصادية من رفع العقوبات التي تفرضها الأمم المتحدة، واضحة بالنسبة لروسيا، لكنها ليست كذلك بالنسبة للولايات المتحدة.

تحركات بوتين منذ توقيع الاتفاق الإطاري بشأن البرنامج النووي الإيراني في 2 إبريل، تشير بوضوح إلى الطريقة التي يخطط بها لتطوير شراكة روسيا مع إيران. الخطة الأولى هي مبيعات الأسلحة، كما تبين من القرار الأخير بالسماح لشحنة متوقفة من صواريخ مضادة للطائرات طراز S-300؛ والخطة الثانية هي صفقات النفط، من خلال اتفاقية مبادلة النفط مقابل البضائع.

لا يستلزم أي قرار رفع العقوبات الدولية ضد إيران -فهذه قيود طوعية كان يمكن أن ينهيها بوتين حتى دون إمكانية إبرام اتفاق متعدد الأطراف. إنّه يحاول الحصول على موطئ قدم له أولًا، قبل أن يبدأ خصومه في الغرب من شق طريقهم إلى السوق الإيرانية، والتركيز على المجالات التي تنافس فيها روسيا. والمكاسب المحتملة كبيرة للغاية.

بين عامي 1989 و1991، وقّع الاتحاد السوفيتي عقود توريد أسلحة مع إيران بقيمة 5.1 مليار دولار. وهذا جعل من إيران واحدة من أكبر عملاء صناعة الدفاع السوفيتية، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، واصلت صناعة الدفاع الروسية المقيدة جني الأموال في بداية التسعينيات، من خلال توريد الدبابات وناقلات الجند المدرعة والذخيرة إلى إيران. ساعدت روسيا آية الله في بناء مصنع دبابات في مدينة دورود ومصنع لإنتاج ناقلات الجند المدرعة في طهران.

ثم تدخلت الولايات المتحدة. في عام 1995، اتفق الرئيس الروسي السابق، بوريس يلتسين، مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، أنّ روسيا سوف تنهي التعاون العسكري مع إيران بحلول عام 1999، في مقابل وعود أمريكية بالتعاون في تكنولوجيا الدفاع. وتم التوصل إلى اتفاق مع بروتوكول سري وقّعه رئيس الوزراء الروسي، فيكتور تشيرنوميردين، ونائب الرئيس الأمريكي آل غور. ولكن لم تشعر روسيا بارتياح تجاه هذه الصفقة، لأسباب ليس أقلها أنّ الولايات المتحدة لم تكن مهتمة حقًا بمساعدة موسكو لتطوير صناعتها الدفاعية. وبعد وصول بوتين إلى السُلطة، أنكرت روسيا بروتوكول غور-تشيرنوميردين في نوفمبر عام 2000.

لكنّ ذلك لم يسفر عن العودة إلى التعاون الكامل مع إيران، اشترت إيران بعض طائرات الهليكوبتر والطائرات الحربية الروسية واستخدمت خدمات روسيا في إطلاق الأقمار الصناعية، ولكنها لم تعد ترى روسيا كشريك موثوق به، وخشت أنّها ستكون عُرضة مرة أخرى للضغوط الأمريكية.

وفي عام 2010، تأكدت هذه المخاوف عندما عادت روسيا مرة أخرى إلى صفقة عام 2007 لتوفير أنظمة صواريخ S-300 بقيمة 800 مليون دولار أمريكي.

وعلى الرغم من أنّ عقوبات الأمم المتحدة لم تمنع بيع هذه الأسلحة الدفاعية، إلا أنّ زميليّ في موقع بلومبرغ، ايلي لايك وجوش روجين، نشرا تقارير تفيد بأن الرئيس الروسي آنذاك، ديمتري ميدفيديف، وعد أوباما أنّه لن يتم شحن هذه الصواريخ. رفعت إيران دعوى قضائية ضد روسيا تطالبها بتعويض عن الأضرار، وتوقف التعاون الدفاعي بين البلدين مرة أخرى.

من خلال نكث وعد ميدفيديف المزعوم، يشير بوتين إلى أن تلك الأيام عندما استمعت روسيا إلى الولايات المتحدة في قضايا تصدير الأسلحة قد انتهت. لذلك فالقادة في إيران الآن لديهم سبب مقنع للاعتقاد بأنّ العلاقات بين موسكو وواشنطن هي أكثر برودة مما كانت عليه في أي وقت منذ أواخر الثمانينيات.

إذن، هناك اتفاقية النفط مقابل السلع، التي كانت قيد المناقشة لمدة عام تقريبًا وربما تكون بدأت بالفعل. وسف تشمل هذه الاتفاقية توريد حوالي 500 ألف برميل يوميًا من النفط الإيراني في مقابل السلع الغذائية الروسية والسلع الصناعية الأخرى، وإعادة ما يقرب من نصف حجم الصادرات التي خسرتها إيران بسبب العقوبات الدولية.

لا يشكّل مثل هذا الاتفاق انتهاكًا لعقوبات الأمم المتحدة ضد إيران، ويمكن التحايل على قيود القطاع المالي التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باستخدام المقايضة. في الأيام الأخيرة، قال مسؤولون روس إنّ المبادلة تحدث الآن.

لن تؤكد إيران أو تنفي هذا الاتفاق، ربما لأن الولايات المتحدة قلقة بشأنه وتكثيف التعاون مع روسيا بهذه الطريقة يمكن أن يعرض الاتفاق متعدد الأطراف للخطر وبالتالي تأخير موعد تخفيف العقوبات الدولية. ولكن استعداد روسيا للمشاركة في المقايضة هو إشارة أخرى للنظام الإيراني، أنّه على الرغم من أنّ الدول الغربية لا تزال مترددة في إحياء العلاقات معها، إلا أنّ روسيا منفتحة لعقد صفقات كبيرة في مجال الطاقة على الفور، حتى قبل أن تتم تسوية أي شيء بشأن القضية النووية.

الفوائد التي تعود على روسيا واضحة. صحيح، إذا حدثت مقايضة النفط مقابل سلع، فإن المخزون العالمي من النفط سيزيد، وبالتالي تخفيف الضغط على الأسعار، الأمر السلبي لمصدر رئيسي للنفط مثل روسيا. لكنّ بوتين لديه خطط طوارئ مناسبة من أجل الحفاظ على سعر النفط بقيمة 40 دولارًا للبرميل -وهذا من شأنه أن يجعل شركات النفط الصخري المثقلة بالديون في الولايات المتحدة تعاني أكثر من تراجع في الأسعار.

بدأ إنتاج هذه الشركات في الانخفاض بالفعل لأن السعر الحالي (أقل من 60 دولارًا لبرميل خام برنت) منخفض جدًا بالنسبة لهم لمواصلة الاستثمار في عمليات حفر جديدة. بالنسبة لبوتين، أزمة النفط الصخري في الولايات المتحدة أمر مرغوب فيه كما هو الحال بالنسبة لحُكّام المملكة العربية السعودية وإيران. وإلى جانب ذلك، فإن مثل هذا الاتفاق من شأنه بناء علاقات تجارية بين إيران وشركات النفط الروسية التي ستصدر النقط، وهو اتفاق مفيد عندما يتم رفع العقوبات.

القيام بالمزيد من الأعمال التجارية مع إيران كلما كان ذلك ممكنًا سيساعد بوتين في بناء تحالف سياسي مع لاعب إقليمي مهم في الشرق الأوسط، مدعوم من خلال مناهضة الولايات المتحدة في كل من موسكو وطهران. وأشار لين ديفيس من مؤسسة راند في تقريره الأخير:

“الاتفاق النووي مع إيران لن يغيّر من حقيقة أنّ النظام الإيراني، وخاصة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، والمؤسسة المحافظة، ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها مصدرًا رئيسًا “للقمع” العالمي. ربما يطمح الرئيس حسن روحاني وغيره من الإيرانيين البراجماتيين إلى إقامة المزيد من العلاقات الطبيعية مع الولايات المتحدة ولكن تبقى الجمهورية الإسلامية دولة ثورية موجهة ليس فقط من خلال مصالحها لبقاء النظام والحفاظ على السيادة الإقليمية، ولكن أيضًا من خلال توسيع نفوذها الإقليمي“.

وهنا، ربما تتوافق أهداف المؤسسة الإيرانية المحافظة بشكل جيد مع أهداف بوتين.

يعتمد الزعيم الروسي على ميزة تكتيكية يمتلكها ضد الولايات المتحدة في المحادثات مع إيران: ويمكن أن يكون أول من يبدأ التقارب مع قادة إيران، دون الحاجة إلى القلق كثيرًا من امتثالها لمتطلبات أي اتفاق نووي. على عكس الولايات المتحدة، روسيا ليس لديها أي التزامات تجاه إسرائيل، ولا توجد معارضة داخلية تحاول تعطيل التعاون مع إيران، وليس هناك أي خطر من أنه بدون هذا الاتفاق قد يضطر إلى شن حرب لا يريدها.

في ظل عدم وضوح القدرة على إنهاء اتفاق متعدد الأطراف لوقف التقدم النووي الإيراني، فإن فوائد هذا الاتفاق أقل وضوحًا لأوباما عنها لبوتين.

التقرير