هل الرصيد الاستراتيجي للبنك المركزي العراقي في خطر؟

هل الرصيد الاستراتيجي للبنك المركزي العراقي في خطر؟

20140810-171350200013562

يواجه العراق في ظل الاوضاع الامنية والاقتصادية تحديات جمة افرزت العديد من المشاكل الاقتصادية وعلى رأسها الحرب ضد تنظيم الدولةِ “داعش” ، و أزمة سيولة في البلاد ، وأثرها على الموازنة المالية التي منيت بعجز تجاوز 25 مليار دولار هذا العام .
من جهة اخرى تأثرت البنى التحتية والمنشآت النفطية وقطع طرق النقل فضلا عن ملف النازحين كلها عوامل أدت إلى تراجعِ الوضع الاقتصادي كثيرا خلال السنوات الأخيرة، مع تخوفات بأن يبقى التراجع مستمرا ولاسيما مع اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط بالدرجة الأولى.
وساءت الأوضاع المالية للعراق بشدة جراء انهيار أسعار النفط منذ العام الماضي، فضلاً عن هجمات تنظيم الدولة”داعش” .
وبالتالي خسارة العراق لعشرات المليارات من العملة الصعبة التي يحتاجها للمحافظة على الانتعاش الاقتصادي وتحقيق المزيد من النمو الاقتصادي.
اما البنك المركزي العراقي ‏فقد أكد في وقت سابق ان استقرار الاحتياطي الأجنبي قرب 76.3 مليار دولار، وهو مؤشر جيد يعزز من قدرة ‏العراق على مواجهة تداعيات انخفاض أسعار النفط
ويعتبر البنك المركزي العراقي، هذا الخزين جيداً بالرغم من تدهور اسعار النفط العالمية، متوقعا أن يرتفع الاحتياطي النقدي العراقي إلى 70 ترليون نهاية العام الحالي.
عوامل عدة ادت الى تراجع حجم السيولة وتردي الوضع المالي في البلاد كان اهمها :.
• الحرب على “داعش”
لقد استنزفت الحرب ضد تنظيم الدولة “داعش” اموال ضخمة من اموال العراق في تسليح وتدريب وتمويل الجيش العراقي والحشد الشعبي وغيرهم ، اضافة الى الخسائر المادية التي تسبب بها تنظيم داعش في المدن والمناطق التي وقعت تحت سيطرته، وهي خسائر تقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
انخفاض اسعار النفط
لقد احدثت انهيار اسعار النفط تصدعا كبيرا في بنية الاقتصاد العراقي فكما هو معلوم العراق بلد يعتمد بشكل كبير جدا على واردات النفط تصل الى نسبة 95% وفي هذا الاطار أعلن صندوق النقد الدولي إن احتياطيات البنك المركزي العراقي من النقد الأجنبي انخفضت من 78 مليار دولار بنهاية 2013 إلى 66 مليار دولار في نهاية العام الماضي ، وهو ما يؤشر الى حجم التأثير الذي احدثه التراجع في اسعار النفط على الاقتصاد العراقي.
وقدّرت الخسائر والإهمال وسوء الإدارة في قطاع النفط بنحو 14.5 بليون دولار بين 2011 ونهاية 2014، أي السنوات الثلاث الأخيرة لعهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وعلّق وزير النفط الحالي، عادل عبد المهدي، على هذه الخسائر، بالقول: «هذا هو الفساد الحقيقي. وهذه هي الخسائر والهدر الحقيقي. هذا هو الغياب الحقيقي للتخطيط والإدارة الرشيدة».
• أزمة النزوح واللبنية التحتية
وتأتي معاناة العراق، من سيطرة “الدولة الإسلامية” على مناطق واسعة من البلاد، وهو ما أدى إلى نزوح الكثير من السكان،و تدمير البنية التحتية، وزيادة النفقات العسكرية بشكل كبير.
ووفق دراسة لوكالة الطاقة الدولية والاستشاريين الذين أعدوا دراسة استراتيجية للطاقة لصالح هيئة المستشارين في مجلس الوزراء ،تمتد الخسائر الفادحة إلى قطاع الطاقة عموماً، خصوصاً في مجال الكهرباء.
وبحسب الدراسة ، تُقدَّر الأضرار الاقتصادية المترتبة على نقص إنتاج الكهرباء، بنحو 40 بليون دولار سنوياً بسبب عدم توافر الكهرباء لقطاعات مهمة من الاقتصاد العراقي.
وقدرت حكومة بغداد المحلية عدد المشاريع المتلكئة في العاصمة فقط بـ750 مشروعا عزت تعطلها الى نقص الموارد المالية. واستبعدت انجاز غالبيتها هذا العام أو تنفيذ مشاريع جديدة.
• ملف الفساد
اما عن الفساد فحدث ولا حرج ، فقد كشفت اللجنة المالية في البرلمان العراقي عن خسارة البلاد نحو 360 مليار دولار، بسبب عمليات الفساد وغسيل الأموال، جرت لمدة 9 سنوات وفي الفترة ما بين عامي 2006 و2014.
وبحسب تقارير ، تقوم مصارف أهلية بشراء العملة وتحويلها إلى الخارج بحجة شراء سلع وبضائع لا يصل منها إلى العراق سوى القليل ان يكون هناك اي مردود استثماري على الواقع الخدمي العراقي.
وتقول التقارير ان هناك حوالات بمليارات الدولارات تم نقلها إلى سوريا وإيران، الأمر الذي انعكس على انخفاض المطروح من العملة الأجنبية في السوق المالية العراقية وتراجع مستوى العملة العراقية في الأسواق لمصلحة الدولار.
وهنا يقول محافظ البنك المركزي العراقي السابق، سنان الشبيبي، أن استقرار الأسعار في مجال العملة الأجنبية يتطلب أن يطابق المعروض منها كل الطلب عليها، ليتحقق سعر صرف ثابت، يمكن تغييره حسب نسب التضخم وظروفه، ومقابلة العرض للطلب بالكامل كفيلة بمنع خلق سوق موازٍ للصرف (السوق السوداء)، وبالتالي استقرار سعر الصرف وعدم تعدديته”.
حجم الاحتياطي الوطني
ويشير الشبيبي إلى أن “حجم الاحتياطي الذي تم بناءه لسنوات هو الذي يضمن استقرار سعر الصرف، ولهذا لا يجب أن يجري التصرف فيه لغير هذه الأغراض”. ويؤكد الشبيبي أن “الدولار عندما يغادر البنك المركزي لا يمول العمليات التجارية فقط، بل يستخدم في تمويل كل المدفوعات الدولية”.
ويخلص إلى أن “أي تحديد لسقف العرض وإلزام البنك المركزي به، سيضر بقانون العرض والطلب ويؤدي إلى عدم استقرار العملة، وهذا ينطبق على تحديد معروض المركزي في المزاد اليومي بمبلغ 75 مليون دولار”، وأنه “بدلاً من ذلك يجب تمتين شروط الرقابة ومحاربة الفساد وعمليات غسيل الأموال”.
يشار إلى أن البنك المركزي أكد، خلال شهر كانون الثاني 2015، أن احتياطياته ستتجاوز الـ 80 مليار دولار خلال النصف الأول من العام ذاته لكنها لن تبلغ الـ100 مليار دولار بسبب ضعف إيرادات النفط العراقي المباع والذي يتم من خلاله الحصول على الدولار لتقوية الاحتياطي.
وهنا نشير الى دراسة سابقة لــنائب محافظ البنك المركزي العراقي آنذاك د. مظهر محمد صالح ، تقول ان العراق مازال يخضع لما يسمى بأنواع محددة من المخاطر يطلق عليها بمخاطر البلدان country risk وهي مخاطر ناجمة عن التغيرات الاقتصادية و السياسية لأي بلد . حيث يأتي على رأس تلك المخاطر موضوع ( النقص في احتياطيات العملة الاجنبية ) . وان هذا العامل هو من اخطر العوامل التي ينظر فيها الى العراق من خارج كيانه الاقتصادي . وان اي تقلب الاحتياطي او تغيير في تركيبهِ او نقصانه او تكريس ضوابط تقييد النقد الاجنبي والتحويل الخارجي والتخبط بهذا الموضوع، يعد جميعه مؤشراً حساساً لمخاطر البلدان ويضع البلاد في ادنى تصنيف ائتماني من حيث جدارتهِ وتعامل العالم الخارجي ماليا معهٌ بشكل سليم وطبيعي، وبالفعل لايزال العراق يعيش هذا الوضع الى يومنا هذا  .

ان سوء الادارة في احتياطي البنك المركزي تعرض اقتصاد البلد الى ازمات اقتصادية كبيرة ،لذا يجب ان يكون  البنك المركزي على صلة مع جميع البنوك العالمية ويجب ان يكون أدارة عملات كفوءة وشفافة وتكتسب خبرة كبيرة في أدارة العملات الأجنبية “.

صندوق الثروة السيادية
طرح صندوق الثروة السيادية قبل مدة ليست بالقريبة ولكن الحديث عنه بدأ بعد تعرض العراق الى الازمة المالية،ويكون الصندوق السيادي من خلال حساب بالمبالغ المالية المتحققة لسنوات سابقة لأنه عند اقرار الموازنة هنالك فرق بين الموازنة والسعر الفعلي الذي يباع به برميل النفط.
ان الغرض من انشاء الصندوق هو وجود احتياطي مالي للدولة ويستخدم في الحالات الطارئة التي تحدث نتيجة ظروف خارجة عن ارادة الدولة و الصندوق يمكن ان يساعد على استقرار سعر صرف الدينار العراقي ازاء العملات الاجنبية، وان الفائدة المتأتية من هذا الصندوق لايمكن تحصيلها في الاجل القصير.
ماذا يحتاج الاقتصاد العراقي؟
المؤسسات الاقتصادية في العراق تحتاج اليوم الى كفاءات وطنية تقوم على تكنوقراط الذين يغلبون مصلحة البلد على الانتماءات السياسية و الطائفية والعرقية ، ويعملون بروح عراقية البلد وبعيدا عن الانتماءات الفرعية والولاءات الخارجية  والاستغلال الامثل للموارد الوطنية بالتساوي دون فضلا عن البحث مصادر جديدة لرفد الاقتصاد العراقي لتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد لايرادات البلاد ، وتغيير سياسة البنك المركزي العراقي لصالح البللاد .

خلاصة
الاقتصاد العراقي يعيش لحظات حرجة اقل ما يمكن وصفها بأنها السير باتجاه الهاوية, و لا يزال يعاني بشكل كبير, بسبب ضعف البرامج الحكومية في كل المفاصل التنظيمية والادارية والمالية والتخطيط وغياب الارادة الحقيقية في مكافحة الفساد والمفسدين الذين اوصلوا البلاد الى هذا الحال.

لابد من ادارة احتياطي البنك المركزي بشكل مسؤول بعيدا عن التدخلات الخارجية  وان يكون هناك انسجام  مع جميع البنوك العالمية ويجب ان يكون أدارة عملات كفوءة وشفافة وخبرة كبيرة في أدارة العملات الأجنبية.

عامر العمران

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية