تحرير الأنبار بين دوافع الوطنية والطائفية

تحرير الأنبار بين دوافع الوطنية والطائفية

عندما أعلنت القيادة المشتركة للقوات الأمنية العراقية يوم الثلاثاء (26 مايو/‏أيار الفائت) انطلاق عملية تحرير محافظة الأنبار وفي القلب منها مدينة الرمادي من سيطرة تنظيم «داعش»، كانت التصريحات العراقية والأمريكية متفائلة، أبرزها تصريح رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري.

العبادي قال بثقة إن «تحرير الأنبار بات وشيكاً»، أما كيري فقد استبق هذه العملية بتأكيد أنه «واثق من استرداد الرمادي من تنظيم «داعش» في الأسابيع المقبلة»، لكن أحداً من كل المتفائلين لم يجب عن السؤال المهم: ولماذا ،إذاً، سقطت مدينة الرمادي في يد «داعش»؟ هل عرفتم لماذا سقطت ومن المسؤول وكيف يمكن تجنب الأخطاء؟
مثل هذه الأسئلة باتت مهمة وضرورية للبحث، ليس فقط في مستقبل عملية تحرير محافظة الأنبار أكبر محافظات العراق ومحور الارتباط بين مثلث العراق – سوريا – الأردن، أو هي بالتحديد بؤرة ارتكاز مشروع ربط العراق بالشام الذي هو منطلق مشروع تنظيم «داعش»، ولكن أيضاً مستقبل العراق الذي يجري الدفع به عنوة نحو مشروع التقسيم.
المدخل للإجابة عن تلك الأسئلة هو التصريح المهم واللافت لوزير الدفاع الأمريكي اشتون كارتر الذي اخترق به كل جُدر الصمت المريبة لكل ما يحدث ويخطط للعراق من غزوه واحتلاله.
فقد علّق اشتون على سقوط الرمادي ودراما الهروب الكبير الثاني للجيش العراقي، الأقوى عتاداً والأكبر عدداً، أمام ميليشيات «داعش» بقوله إن «القوات العراقية لم تبد إرادة للقتال في الرمادي». وأوضح أن الجنود العراقيين «لم يعانوا نقصاً في العدد، بل كانوا الأكثر عدداً بكثير من القوات المقابلة، إلا أنهم انسحبوا من المنطقة». وأنهى كارتر تعليقه شديد المرارة لكل عراقي وكل عربي بالقول: «نستطيع أن نقدم لهم التدريب والتجهيزات، إلا أننا لا نستطيع أن نقدم لهم إرادة القتال». لم يخطئ الوزير الأمريكي في كلمة واحدة.
هذه هي الحقيقة المرة، أن الجيش العراقي لا يملك إرادة للقتال، لكن الوزير أعفى نفسه وأعفى بلاده من المسؤولية.
لم يمتلك الجرأة ذاتها التي تحدث بها عن افتقاد الجيش العراقي لإرادة القتال ليقول لنا ما هو السر الكامن وراء ذلك كله.
كيف تحول جيش العراق الذي قاتل الجيش الإيراني ثماني سنوات، وأجبرالخميني على «تجرع السم» والقبول باتفاق وقف إطلاق النار في أغسطس/‏آب 1988، إلى جيش امتهن الهروب وافتقد إرادة القتال.
لم يقل الوزير الأمريكي لماذا كان القرار الأول لبلاده هو حل الجيش والقوات والأجهزة الأمنية والاستخباراتية وتسريحها جميعاً، ولماذا أصرّت بلاده على فرض «دستور طائفي في العراق»، ولماذا أصرّ جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي، ومازال، على أن الحل في أزمة العراق هو التقسيم؟ ولم يقل لماذا كل الرعاية التي يحظى بها الكيان الكردي من واشنطن الذي أضحى دولة كاملة الأركان وفي انتظار القرار الأمريكي فقط، حسب ما ورد على لسان مسعود برزاني عقب عودته من واشنطن منذ نحو ثلاثة أسابيع.
لم يقل الوزير الأمريكي إن هذا الجيش المفتقد لإرادة القتال هو المحصلة النهائية للعبث الأمريكي- الإيراني بالعراق، ولم يقل إن ما يسمى الآن مجازاً ب«الجيش العراقي» ليس جيش العراق، ولكنه «جيش الطوائف»، ولا يمكن لجيش طائفي أن يقاتل من أجل وطن، لكنه يقاتل من أجل الطائفة ورموزها، وربما يكون ما جاء على لسان الكولونيل ستيف وارين المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية من استنكار الاسم الذي اختارته القيادة المشتركة للقوات الأمنية العراقية: الجيش وقوات الأمن والحشد الشعبي لعملية تحرير الأنبار باعتباره «اسماً طائفياً» محاولة مخادعة لتخفيف وطأة مشروع القرار الذي أقرته لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي وتقدم به عضو هذه اللجنة ماك ثورنبيري وينص المشروع على تخصيص 715 مليون دولار من ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2016 للقوات المشاركة في القتال ضد تنظيم «داعش»، على أن يذهب 25% من هذا المبلغ مباشرة إلى قوات البيشمركة (الكردية) والقوات التابعة للعشائر السنية.
المتحدث باسم “البنتاغون” استنكر تسمية عملية تحرير الأنبار باسم له دلالاته الطائفية، وهو «لبيك يا حسين»، ولم ينتبه إلى هذا «المشروع الطائفي» للمساعدة العسكرية الأمريكية للعراق وهو المشروع الذي استنكره المرجع الشيعي الأعلى في العراق السيد علي السيستاني، الذي دعا على لسان ممثله في كربلاء عبد المهدي الكربلائي خلال خطبة الجمعة (1/‏5/‏2015) إلى أن «المساعدات الخارجية التي تقدم للعراقيين في حربهم ضد الإرهاب وسعيهم للتخلص من عصابات داعش الإرهابية يجب ألا تمس بحال من الأحوال سيادة العراق ووحدة أرضه وشعبه»، كما أدانه حيدر العبادي رئيس الحكومة، وأكد في اتصال هاتفي مع جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي «رفض العراق لمقترحات القوانين والمشاريع التي تضعف وحدة البلاد وتتجاوز السيادة الوطنية وتسيء للحمة الوطنية».

مهم جداً هذا الرفض العراقي لهذا التوجه الأمريكي المفضوح والذي يرمي إلى جعل دعوة تقسيم العراق أمراً واقعاً، لكنه رفض لن يحل الأزمة ولن يحرر الأنبار وفي قلبها مدينة الرمادي، ولن يحول دون وصول قوات «داعش» إلى مشارف بغداد، لسبب مهم هو أنه لم يقدم إجابة لتخاذل الجيش، ولم يقدم معالجة لأزمة العراق، ودور العراقيين في هذه الأزمة، وهذا كله أمر طبيعي. إن أحداً لم يقل حتى الآن لماذا هرب الجيش أمام «داعش» في الموصل ومحافظة صلاح الدين وترك معداته وأسلحته غنيمة ل «الداعشيين». هناك لجنة تحقيق خاصة جرى تشكيلها للبحث في دراما سقوط الموصل برئاسة حاكم الزاملي رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، وكادت تنتهي من إعداد تقريرها، لكن أياً من نوري المالكي ومسعود برزاني وأسامة النجيفي لم يمثل أمام هذه اللجنة ليدلي بشهادته.

إذا عرفنا لماذا سقطت الموصل سنعرف لماذا سقطت الرمادي، وإذا لم نعرف ذلك لن نعرف إجابة لسقوط بغداد الذي نسأل الله أن يجنب العراق ويلاته.

وإذا عرفنا لماذا تحررت «تكريت» وكيف ستتحرر الرمادي سنقترب كثيراً من الحقيقة.
تحرير تكريت كان للحشد الشعبي دوره البارز بعد هروب الجيش وتخاذله لسبب واضح هو أن الحشد الشعبي امتلك إرادة القتال.

لا نريد أن نخوض في سرديات التآمر وغيرها، لكن الواضح أن قوات الحشد الشعبي التي ذهبت إلى تحرير تكريت بفتوى من السيد السيستاني وشعار «لبيك يا حسين» كانت تمتلك إرادة القتال وإرادة الاستشهاد، لكنها للأسف إرادة طائفية تقسيمية لا تحرر أوطاناً بقدر ما تحرر طوائف.

والآن، يذهب الحشد الشعبي بعد تمنع مصطنع عن تحرير الأنبار لإثبات أنهم وحدهم بالدعم الإيراني يستطيعون تحرير الأرض.

سقطت الرمادي لأن الحشد الشعبي رفض أن يخوض المعارك في الأنبار إلا بشروطه، وبموافقة أمريكية حصلوا عليها تحت وطأة احتلال «داعش» للرمادي.

قد ينجح الحشد الشعبي في تحرير الرمادي لكن بعد تحقيق هدفين، أولهما إثبات أنهم القادرون وأن الجيش عاجز، والثاني أن الإلهام والدافع الطائفي بات أقوى من الإلهام والدافع الوطني، عندها لن يكون لتحرير الرمادي، أو كل الأنبار، أي طعم له معنى وأي قيمة إذا تداعت الوطنية العراقية أمام الهوية الطائفية.

د. محمد السعيد إدريس

الخليج