أي اتحاد أوروبي بعد كورونا؟

أي اتحاد أوروبي بعد كورونا؟

مثّل التعاطي الدولي مع تفشي وباء كورونا فرصة هامة للوقوف عند الكثير من التحولات التي قد تطرأ على العلاقات بين الدول مستقبلا. وتنطبق ترجيحات التباعد خاصة على الاتحاد الأوروبي الذي غاب عنه التنسيق والتكاتف لمساعدة دوله الأعضاء الأكثر تضررا من الفايروس ومنها إيطاليا التي تعالت أصوات قادتها لتؤكّد أن التكتل الأوروبي خذلها وتركها تصارع الموت لوحدها. فأي اتحاد أوروبي سيكون بعد كورونا؟

تونس – أحرجت المساعدات الصينية والروسية لإيطاليا لمواجهة وباء كورونا مؤسسات الاتحاد الأوروبي التي أبدت ضعفاً في مبدأ “التضامن” الذي يشكل أساس نشأة التكتل.

وبينما فشلت المؤسسات الأوروبية في وضع خطة عمل مشتركة إلى حد الآن لمكافحة الجائحة، تعزّز دور القومية كبديل للمشترك الجماعي، حيث أخذت كل دولة تكافح الوباء بمفردها وحسب إمكانياتها، ما يطرح تساؤلات بشأن جدوى الوحدة الأوروبية إن استثنت الأزمات.

يعتبر قطاع الصحة في الاتحاد الأوروبي من ضمن المجالات التي تقع تحت سلطة وصلاحيات دولة، ورغم أنه لا توجد سياسات صحية مشتركة لعموم الاتحاد الأوروبي، إلا أنه يتعيّن على دوله التحرك في إطار التضامن والتنسيق حال وقوع الأزمات.

وطالب المراقبون أن تتولى المفوضية الأوروبية التي تعد بمثابة الجهاز التنفيذي بالاتحاد الأوروبي مهمة التنسيق في مثل هذه الحالات المهددة لحياة المواطنين في القارة العجوز.

وأظهر الوضع الراهن في الاتحاد الأوروبي عدم التزام الدول الأوروبية بمبدأ التضامن، كما أظهر ضعفا في أدوار المفوضية الأوروبية التي عجزت عن القيام بالتنسيق كما ينبغي.

وتجلى غياب التنسيق عبر قيام الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالتحرك منفردة دون تنسيق في ما بينها، فضلا عن إغلاق حدودها، وبدء إجراءات التفتيش وتطبيق سياسات العزل، مما يشير إلى أن الروح التي جمعت دول الاتحاد والقائمة على التضامن في الصعيد الأول، قد انتهت في عموم دول الاتحاد.

زعزعة أركان الوحدة الأوروبية
في مقالة كتبها سفير إيطاليا لدى الاتحاد الأوروبي ماوريتسو ماساري، عقب رفض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي طلب المساعدة، قال إن “على الاتحاد الأوروبي أن يتخذ خطوات ملموسة مؤثرة وعاجلة وألا يكتفي فقط بالاجتماعات وتبادل وجهات النظر”.

وأضاف ماساري “يجب أن لا تترك إيطاليا وحيدة في مواجهة هذه الأزمة… إن هذه أزمة عالمية تتطلب تحركاً عاجلاً من أوروبا قبل كل شيء”، مشيرا إلى أن “هذا الموقف يعد مؤشراً سيئاً على التضامن بين بلدان الاتحاد الأوروبي”.

وبهذه العبارات أكد السفير الإيطالي أن روما تُركت وحيدة في مواجهة فايروس كورونا كما تركت وحيدة في مواجهة أزمة اللاجئين.

وبدر رد فعل مشابه من رئيس الوزراء النمساوي سيباستيان كورتز الذي قال إن “مبدأ التضامن والتكاتف لا يعمل في أوروبا في ظل هذا الوضع الخطير”، مؤكدا أن “هذا الوضع سيؤدي إلى حالة من الجدال في المستقبل”.

من ناحية أخرى، قال رئيس وزراء جمهورية تشيكيا أندريه بابيس الذي سارع بإغلاق حدود بلاده مع 15 دولة، إن “الدول الأوروبية لم تستطع تنسيق الوضع في ما بينها في الأيام الأخيرة”.

وكانت صربيا أكثر المنتقدين حدة لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، رغم أنها في مراحل التفاوض من أجل الانضمام للاتحاد.

وانتقدت إليزابيت برو، في تحليل نشرته مجلة فورين بولسي، “تخلي أوروبا عن إيطاليا”. وقالت “في تنازل مخجل عن المسؤولية، أخفقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في تقديم المساعدة الطبية والإمدادات لإيطاليا أثناء تفشي المرض. إن الصين تملأ الفراغ”.

وبعد أن اتخذ الاتحاد الأوروبي قرار عدم إرسال معدات طبية إلى الدول غير الأعضاء، أكد الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيش أنه طلب من الصين جميع أنواع المساعدات حتى إرسال الطواقم الطبية وهو ما لبته بكين، وانتقد بشدة تخلي الأوروبيين عن بلاده وهم من كانوا في وقت سابق يطالبون بلغراد بعدم شراء البضائع الصينية.

وقال فوتشيتش”لقد رأينا أنه لا يوجد تضامن ولا تكاتف في أوروبا.. أنا أثق في الصين فهي الدولة الوحيدة التي يمكن أن تساعدنا.. أما بالنسبة للآخرين فنشكرهم على ‘لا شيء’”.

وأظهر تفشي وباء كورونا في أوروبا الكثير من الحقائق حول هشاشة العلاقة بين الدول الأوروبية التي يربطها اتحاد لم يقدم الكثير للحد من انتشار الوباء حتى الآن، في الوقت الذي تستنجد فيه بعض دول الاتحاد بالصين وروسيا لإنقاذها.

ويقول الكاتب ستيفن إرلانجر في مقال له بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية إن “الفايروس يختبر التماسك والتحالفات الأوروبية ويعد اختباراً قاسياً للديمقراطية في أوروبا، ومع الانتشار السريع له، تتعثر بروكسل وتبتعد الدول، والولايات المتحدة تقيم حواجز ضد الحلفاء”.

ويضيف “بينما توسلت إيطاليا للحصول على المساعدة، بدا أن الاتحاد الأوروبي يتأخر ويتعثر، حيث تجاهلت الدول الأعضاء دعوات التضامن، واختارت الولايات المتحدة محاولة عزل نفسها عن أوروبا بالكامل، باتخاذها قرار حظر السفر بدلاً من القيام بدور تعاوني”.

ويتابع الكاتب “بدلاً من ذلك، ترك الأمر للصينيين الذين أرسلوا على الفور خبراء طبيين إلى إيطاليا ووعدوا بتقديم 2 مليون قناع وجه، و20000 بدلة واقية و1000 جهاز تنفس”.

من جانبه، قال بول آدمسون، مؤسس مجلة “Encompass“، إن ما يجري اختبار رئيسي للاتحاد الأوروبي، حيث يتراكم الفايروس على رأس الأزمات القائمة بشأن الهجرة وسيادة القانون. وأضاف “القيم الأوروبية والتضامن والالتصاق تبدو مثل العبارات المجوفة”.

ملاذ الدولة القومية
يرى متابعون أنه لا يمكن النظر إلى أزمة الاتحاد الأوروبي المتصاعدة بفعل انتشار وباء كورونا، باعتبارها توتّراً عابراً للعلاقات بين دوله، يمكن تجاوزه متى تمّ القضاء على الفايروس. فبعد تجاوز الأزمة ستقف بلدان التكتُّل أمام نوع مختلف مِن التحديات، تحدياتٌ مِن شأنها أن تَهزّ دعائم الاتحاد ووحدته، وسط غياب مظاهر التضامن بين دوله وانكفائها ضمن حدودها الداخلية.

ويرجح هؤلاء أن يتبيّن أن الاتحاد الذي استطاع تجاوز تداعيات بريكست وأزمة اللاجئين والأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، بات أكثر هشاشة وضعفاً مِن ذي قبل، بعدما أعاد اختبار انتشار الوباء الاعتبار إلى الدولة القومية كملاذ أخير للشعوب في وقت الأزمات الكبرى.

وتعزز أزمة كورونا مساعيَ الشعبويين في أوروبا لتفكيك الاتحاد الأوروبي، فيما تراقب كل من روسيا والصين التحولات الجيوسياسية في القارة العجوز وتدفع باتجاه تغذية نعرات الانفصال والتفكك.

ويشير متابعون إلى أن المساعدات الصينية والروسية لإيطاليا وغيرها من دول القارة الأوروبية وان كان يمكن تصنيفها ضمن خانة “التضامن الإنساني”، إلا أنها لا تخلو من أبعاد جيوسياسية.

ويرى هؤلاء أن أزمة كورونا قد تكون حافزا قويا لإعادة النظر في جدوى الوحدة الأوروبية خاصة وأن نعرات الانفصال عن التكتل الأوروبي تراود جزءا من الإيطاليين والهولنديين وتجد لها حاضنة شعبية في هاتين الدولتين حتى وإن كانت ضعيفة، كما يساهم انفصال بريطانيا في تذكية هذه النعرات.

ومع نجاح بريطانيا في التوصل إلى اتفاق انفصال مع الاتحاد الأوروبي، تجد دعوات السير على نهجها حاضنة ولو بسيطة في العديد من الدول الأوروبية، فيما يتكهن مراقبون باتساع دائرة عدوى الانفصال مستقبلا ولعل وباء “كوفيد-19” يمثل إحدى اللبنات.

ويقول مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، جون بولتون إن التهديد الأساسي لوجود الاتحاد الأوروبي يأتي من أولئك الذين أسسوه في البداية. فليست اليونان، أو أوروبا الشرقية من يهدّد بقاء الاتحاد، وإنما أكثر الدول نجاحا واستقرارا، مثل مجموعة البنلوكس (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ) وألمانيا، والتي يمكن أن توقف نشاط أي من المؤسسات الأوروبية أو كلها، أو أن تخرج منها في ظل ظروف معينة، إذا ما قضت المصلحة القومية لهذه البلدان بذلك.

العرب