أي محادثات بين واشنطن وطهران لن تغيّر خارطة الميليشيات

أي محادثات بين واشنطن وطهران لن تغيّر خارطة الميليشيات

تواصل إيران الاعتماد على أذرعها من الميليشيات المنتشرة في كل من العراق وسوريا واليمن من أجل مضاعفة التهديدات على المصالح الأميركية قبيل استئناف المفاوضات حول ملفّها النووي، ولا يُرتقب أن تقدم طهران في هذا الشأن أيّ تنازلات من خلال التخلي عن بعض الميليشيات التي تؤتمر بأوامرها خاصة في ظل تشبث الداخل الإيراني بهذه المجموعات المسلحة وأيضا في ظل الإشارات المتناقضة التي تبعث بها إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن.

طهران – تستخدم إيران وكلاءها في العراق وسوريا واليمن لزيادة الضغط على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط وإظهار قوة نفوذها قبل استئناف المفاوضات بشأن ملفها النووي مع واشنطن.

ويقول مراقبون إنه حتى لو أسفرت المحادثات مع واشنطن عن تفاهمات وتخفيف العقوبات، فمن غير المرجح أن تتخلى طهران عن شبكة الميليشيات القوية التي تديرها. ويعارض الإيرانيون أي شروط جديدة تتعلق بنفوذهم الإقليمي وضمها إلى الاتفاق النووي مثلما تطالب بذلك دول إقليمية مثل السعودية.

ويُعْتَقد أن التشدد الإيراني تجاه مناقشة دور الميليشيات الحليفة مرهون بمدى جدية إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في تحصيل تنازلات من إيران مقابل تسوية ملفها النووي ورفع العقوبات عنها لاحقا، وما إذا كان الضغط الأميركي سيصير محدودا أم لا.

وتصدر عن إدارة بايدن تصريحات متناقضة بشأن إيران، منها ما يلوّح بالتهديد ضدها ومنها ما يظهر العكس تماما، الأمر الذي يشجعها على الاستمرار في المكابرة، وهذه الازدواجية تظهر أن الإدارة الجديدة تعيد نفس خطاب إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما الذي سلم العراق لطهران بقرار الانسحاب العسكري، والآن ربما تتولى الإدارة الجديدة منح إيران فرصة تثبيت نفوذها بشكل دائم في العراق وخارجه.

وفي تعليق له على الهجمات التي استهدفت القوات الأميركية في قاعدة “عين الأسد” الجوية بالعراق، قال المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي السبت إن بلاده غير مهتمة بتصعيد الوضع مع إيران وإنما حماية قواتها ومواصلة المهمة في العراق.

وأشار كيربي إلى أن الولايات المتحدة سترد على الهجمات التي استهدفت قاعدة “عين الأسد” في “الزمان والمكان المناسبين”.

وفي السادس والعشرين من فبراير الماضي شنت إدارة بايدن غارات جوية ضد الميليشيات العراقية المدعومة من إيران في سوريا. وكان الهدف إرسال رسالة إلى إيران والميليشيات التي تعمل لفائدتها بالوكالة مفادها أنها “لا تستطيع التصرف دون عقاب”، مثلما جاء في تصريحات بايدن بعد الهجوم.

ويدرك الأميركيون جيدا أن استمرار القصف على مواقع تابعة لهم في العراق رسالةٌ إيرانية هادفة إلى اختبار ردة فعلهم، وإظهار القدرة على المناورة والإزعاج في الوقت نفسه، وأن الميليشيات هي من تقوم بهذا الإزعاج دون إحراج طهران.

ويقول مراقبون إن التفاوض بشأن دور هذه الميليشيات ومصيرها في المستقبل أمر صعب لكونها صارت أمرا واقعا في العراق ولبنان واليمن.

ويُعد دعم إيران لهذه الميليشيات حجر الزاوية في إستراتيجيتها للأمن القومي، ليس فقط ضد الوجود الأميركي المباشر في المنطقة عسكريا ودبلوماسيا، وإنّما أيضا ضد المصالح الاقتصادية الأميركية ومصالح حلفاء واشنطن، وكذلك لضرب حرية الملاحة وتصدير النفط.

وتنفق طهران بسخاء على تجهيز الميليشيات وتدريبها ودعمها ماليا وسياسيًا بالرغم من الأزمة المالية الحادة التي تعيشها بسبب العقوبات ومخلفات أزمة الوباء، ما يجعلها ترفض أيّ مُطالبة بالتخلي عن هذه الشبكة من الوكلاء تحت أي ضغط.

ويعتقد محللون أن دعم الميليشيات يخلق نقطة ضغط أمنية في الأماكن التي تتداخل فيها المصالح الأميركية والإيرانية، مما يوفر لطهران طريقة لإظهار القوة الإقليمية التي يفتقر إليها الأميركيون، خاصة أن واشنطن تجد نفسها مجبرة حين الرد الانتقامي على استهداف الميليشيات وليس طهران، وهو وضع يريح الإيرانيين.

ومن المرجح أن تحث إيران الميليشيات الحليفة لها في العراق على الاستمرار في الهجمات ضد الوجود الأميركي بما يخفف عنها ضغوط المفاوضات بشأن الملف النووي، لكن هذا الأسلوب قد يقود إلى نتائج عكسية.

ويشير هؤلاء إلى أن إستراتيجية إيران في الحرب بالوكالة ضد الأميركيين محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى إيران، وقد تجعل واشنطن تطالب بتنازلات إيرانية بشأن سلوكها الإقليمي وليس النشاط النووي فقط. ومع ذلك سترفض إيران أي مُطالبة أميركية بالتخلي عن إستراتيجيتها الإقليمية بالوكالة، والتي تخدم جوانب متعددة تتجاوز مجرد منح طهران سلطة تفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة.

ولا يزال العراق المسرح الأكثر احتمالاً لتصعيد عسكري محتمل بسبب الحجم الهائل للقوات العسكرية الأميركية والميليشيات المرتبطة بإيران في البلاد، إلى جانب الأهمية التي توليها إيران للحفاظ على العلاقات مع الميليشيات العراقية والحافز السياسي القوي الذي يجعل تلك الميليشيات تهاجم الولايات المتحدة.

وبالتالي من المرجح أن تستمر الميليشيات في شن هجمات صاروخية على أهداف أميركية وحليفة لواشنطن في العراق قبل عقد المحادثات الأميركية – الإيرانية مستفيدة من التناقض في تصريحات مسؤولي إدارة بايدن، واستمرار واشنطن في اعتماد إستراتيجية قديمة وغير ذات فعالية تقوم على العصا والجزرة.

لكن الأمر بات الآن أكثر تعقيدا، فالولايات المتحدة ليست وحدها اللاعب المباشر الذي تقدر إيران على مناورته، فهناك طرف مؤثر هو إسرائيل التي باتت تتعامل مع الميليشيات الموالية لطهران بأسلوب مغاير، ولا تهتم بإستراتيجية إيران في اختبار ردة فعلها من خلال عمليات محدودة عن طريق وكلاء.

وصارت إسرائيل تدير المواجهة بشكل مكشوف دون حسابات على عكس موقف الولايات المتحدة. ورغم قوة ورقة حزب الله بالنسبة إلى إيران إلا أن دوره كميليشيا حليفة تمارس الضغط بالوكالة بات محدودا خاصة مع استهداف شبكات تسليحه واغتيال عناصر بارزة في صفوفه.

وتدفع إسرائيل نحو مواجهة مباشرة مع الإيرانيين الذين صاروا يكتفون في السنوات الأخيرة بمجرد التلويح بالانتقام، وهو انتقام مؤجل.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس الجمعة إن الجيش الإسرائيلي يعمل “طيلة الوقت” على تحديث الخطط الخاصة “باستهداف المنشآت النووية الإيرانية، ومستعد للعمل بصورة مستقلة”.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية الجمعة عن غانتس قوله لقناة “فوكس” الأميركية إن “إسرائيل رصدت أهدافا كثيرة في إيران، إذا تم المساس بها نكون بذلك قد أصبنا قدرة النظام في طهران على تطوير قنبلة نووية”.

وأضاف “إذا تم وقفهم من قبل العالَم فهذا جيد جدا، وإذا لم يتم ذلك فنحن ملزمون بالدفاع عن أنفسنا”.

ويراهن الإيرانيون على الوقت من أجل تلافي الضغوط الإسرائيلية، لكن الأهم بالنسبة إليهم هو الاستفادة من رخاوة الموقف الأميركي لتحقيق المزيد من المكاسب، أو على الأقل الحصول على اعتراف بالحق في توظيف الميليشيات والحوار من خلالها لتحقيق مكاسب إستراتيجية لبلادهم

العرب