وكالات التصنيف تدق الناقوس قبل الانتخابات المصرية

وكالات التصنيف تدق الناقوس قبل الانتخابات المصرية

وجّه تقرير أعدته وكالة موديز للتصنيف الائتماني عن مصر إنذارًا اشتعلت معه الأضواء الحمراء للاقتصاد قبل الانتخابات الرئاسية في ديسمبر المقبل، لأن خفض التقييم السيادي قد يؤدي إلى نتائج وخيمة في ما يتعلق بحل أزمة العملات الأجنبية وسداد الديون الخارجية ومستقبل الخروج إلى الأسواق المالية للاقتراض بضمان الدول الأخرى.

القاهرة – حمل الإعلان عن تراجع التصنيف السيادي لمصر من درجة B3 إلى Caa1 قبل أيام رسائل مباشرة إلى الحكومة يفيد مضمونها بضرورة مراجعة سياساتها وعدم تعطيل برنامج الإصلاح الاقتصادي مع وجود سعر صرف مرن دون النظر إلى اعتبارات الأمن القومي، بعد دخول مصر ضمن فئة الدول غير القادرة على سداد الالتزامات وأن المستثمر فيها سوف يتحمل مخاطر ائتمانية مرتفعة جدًا.

ويعكس هذا التخفيض تدهور قدرة الحكومة على تحمل الديون واستمرار نقص العملات الأجنبية في مواجهة زيادة مدفوعات خدمة الدين الخارجي على مدى العامين المقبلين، وسط قيود متزايدة على خيارات السياسة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد المصري دون احتدام الأزمة الاجتماعية، وفق موديز.

وكشف مستوى التصنيف الائتماني لموديز أن الاقتصاد المصري يدور في حلقات مفرغة بلا تحسن ملموس على المستوى الدولي أو مستوى معيشة المواطنين، وهو ما أزعج بعض الخبراء الذين راهنوا على إمكانية تحقيق تقدم حقيقي.

وأظهرت إحصائيات المؤسسة أن تصنيف البلاد في مارس 2013 هو Caa1 وهو نفس الترقيم الذي حصلت عليه الآن. وعلى الرغم من اتخاذ قرار تحرير سعر الصرف في 2016 وتلقي القاهرة منحا ومساعدات خليجية، إلى جانب قرض صندوق النقد الدولي، لم تحسن استغلال السيولة الدولارية.

وتحتاج مصر إلى تدبير 29.2 مليار دولار لخدمة الدين في عام 2024، وفقًا لبيانات البنك المركزي، ويمثل هذا ما يقرب من خمس إجمالي الدين الخارجي للبلاد و85 في المئة من احتياطي النقد الأجنبي البالغ 34.97 مليار دولار.

وتواجه وكالات التصنيف الائتماني انتقادات واتهامات بعدم الحيادية بين الحين والآخر، ويطلق عليها بعض المحللين اسم “كهنة التقييم” بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي كان جزء منها نتيجة إسنادها تصنيفات ائتمانية عالية في مجال الرهن العقاري للبنوك الأميركية تخالف الواقع، ومع هذه التقييمات المرتفعة أفلس عدد من البنوك على رأسها ليمان براذرز.

واتُهمت وكالات التصنيف عام 2010 بتسببها في احتدام أزمة الديون في منطقة اليورو نتيجة تخفيضها تصنيف عدد من البلدان المضطربة، لذلك اتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات حازمة، منها السماح لأي دولة أو مستثمر في الاتحاد الأوروبي بطلب تعويضات نتيجة أخطاء ترتكبها الوكالات بجانب طلب البنوك الأوروبية إجراء تصنيفاتها الائتمانية.

كما اعتبرت الصين مؤخرا أن وكالات التصنيف لا تعمل وفق معايير شفافة وواضحة، كذلك شككت تركيا في مصداقيتها وقالت إنها تتحرك وفقًا لدوافع سياسية، ورأت روسيا أن تصنيفات الوكالات الأميركية لا تستند في مجملها إلى الواقعية.

وثمة نوعان من التصنيف الائتماني، الأول تصنيفات سيادية وتمنح للدول والحكومات، والثاني يُمنح للشركات بقطاعاتها المختلفة، وفي مقدمتها مؤسسات التمويل والبنوك وشركات الاستثمار.

ويشير التصنيف الائتماني أو الجدارة الائتمانية إلى أنه مراجعة أو مقياس تتم من خلاله دراسة وتحليل الوضع المالي لجهة ما، سواء أكانت منظمة أم دولة، لتحديد قدرتها على الاقتراض والوفاء بسداد الدين للمقرضين.

وكلما تحسن التصنيف الائتماني للدولة، زادت الثقة في قوتها الاقتصادية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الجهات الممولة أو المقرضة، والعكس صحيح، إذ يُسهل التصنيف الجيد الحصول على القروض، داخليًا أو خارجيًا، نظرًا لما يشمله من معايير تعمل على توقع وضمان الاستقرار المالي بشكل كبير.

وتستند وكالات التصنيف الائتماني إلى أسس ومعايير عند منح التصنيف للدول، أبرزها: البيانات المالية، وتاريخ سداد الديون السابقة، ومدى الاستقرار المالي والسياسي والاقتصادي، وإجمالي حجم القروض السارية، وقيمة القروض المطلوبة، وفترة السداد، ومعدلات الفائدة، وغيرها.

وتضم معايير التصنيف الائتماني للدول قواعد إضافية مثل: معدل الناتج المحلي الإجمالي، ونصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وميزان المدفوعات، ومعدل التضخم، والموازنة والسياسات المالية المتبعة في الدولة، وحجم الديون الخارجية، وبيئة الأعمال والسياسات والتشريعات الخاصة بالاستثمار.

وتضع مؤسسات التصنيف الائتماني الأشهر عالميًا (موديز وستاندرد آند بورز وفيتش راتينجز) كل دولة تحت تقييم دوري، يصدر كل ثلاثة أشهر في الغالب وربما يتأخر قليلاً لكنه ينتشر في أوقات الأزمات، وغالبا لا يتم بالاتفاق مع الجهات المانحة، وقد يكون بتوصيات من مقرضين وعملاء تلك المؤسسات التي تتلقى منهم رسومًا مقابل التقارير التي تصدرها.

وفي الحالة المصرية ظهر واضحًا عدم التزام البلاد بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي وإتاحة سعر صرف مرن في البلاد وإرجاء المراجعة الدورية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والهيكلي مرتين، وهي أهم المعايير التي تنظر إليها وكالات التصنيف حاليًا بالسوق المحلية.

وعندما أخفقت مصر في ذلك جرى خفض تصنيفها الأخير من قبل وكالة موديز، دون النظر إلى المبررات الحكومية، حيث تدنى التصنيف الأخير من B3 إلى Caa1 الذي يضع مصر ضمن الدول المبتدئة وأنها سوق غير مرغوب فيها، لكنه مع نظرة مستقبلية مستقرة.

وخفضت وكالة فيتش في وقت سابق من هذا العام تصنيفها للديون المصرية إلى B، أي أعلى درجتين من تصنيف موديز، مع نظرة مستقبلية سلبية، ونفس التخفيض أعلنت عنه مؤسسة مورجان ستانلي.

مصر تحتاج إلى تدبير 29.2 مليار دولار لخدمة الدين في عام 2024 ما يمثل 85 في المئة من احتياطي النقد الأجنبي

وتعد ستاندرد آند بورز الوحيدة من بين وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الكبرى التي لم تخفض تصنيف مصر هذا العام، لكنها خفضت نظرتها المستقبلية إلى سلبية في أبريل.

وستجري وكالة ستاندرد آند بورز مراجعتها التالية في العشرين من أكتوبر الجاري، فيما ستجري فيتش مراجعتها في الثالث من نوفمبر المقبل، ومن المتوقع أن تشهد تقارير الوكالتين خفضًا جديدًا لجدارة مصر الائتمانية مع استمرار أزمة العملة في البلاد.

ويقوض التصنيف الأخير لوكالة موديز قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الأجنبية، وقد يتم سحب تلك الاستثمارات خاصة الأموال الساخنة، لكن السلطات المصرية أكدت أن لديها سيولة دولارية وقدرة على سداد الالتزامات المقررة خلال العام المالي الجاري والذي سينتهي في الثلاثين من يونيو المقبل.

وقال سعيد يونس خبير الاستثمار وعضو جمعية مستثمري السويس (شرق القاهرة) إن “مصر تواجه عقبة كبيرة في تقييمها الائتماني الحالي وفي تعديله الفترة المقبلة بسبب صندوق النقد الدولي، إذ ترى المؤسسات العالمية حتمية مرونة سعر الصرف وتحريره، بينما ترى السلطات أنها مسألة أمن قومي، حيث تضر بالمواطنين”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “البلاد تواجه ضغوطًا لتنفيذ برنامجها مع الصندوق وعدم تقبل فكرة إرجائه إلى ما بعد انتهاء انتخابات الرئاسة في ديسمبر المقبل”، متوقعًا عدم الاستجابة لهذه الضغوط، خاصة أن الشريحة المنتظرة من صندوق النقد تصل إلى نحو 300 مليون دولار، وهي لا تُسمن ولا تغني من جوع.

ويجب أن تسعى الحكومة إلى الخروج من المأزق الحالي في أسرع وقت لحاجتها الماسة إلى العملة الأجنبية في الفترة المقبلة، لأنها تنتهج أجندة اقتصادية لتعزيز الاستثمارات الخاصة وتتبنى وثيقة من شأنها عدم وجود سطوة للدولة على غالبية القطاعات وترك التنافس بين الكيانات الخاصة، المحلية أو الأجنبية.

خفض التصنيف الائتماني ينعكس على المواطنين، حيث تترتب عليه ندرة العملات الأجنبية، ومن ثم زيادة الأسعار ومعدلات التضخم

ورغم الانتقادات التي تجابه وكالات التصنيف لا تزال تقاريرها الأكثر تأثيرًا في تحديد وجهة المستثمرين الحالية والمستقبلية، وبالتالي على الحكومة المصرية السعي للخروج من مرتبة التصنيف المتدنية والخطيرة، لأنها تعرقل طرح السندات أو الصكوك في الأسواق العالمية وترفع كلفة الاستدانة، إذ ستجبر القاهرة على طرحها بأسعار فائدة مرتفعة، كما يقلل ذلك من جذب الأجانب إلى برنامج الطروحات الحكومية.

وينعكس خفض التصنيف الائتماني على المواطنين الذين يواجهون ظروفًا معيشية قاسية، حيث تترتب عليه ندرة العملات الأجنبية، ومن ثم زيادة الأسعار ومعدلات التضخم بالأسواق، ومن شأن ذلك رفع أسعار الفائدة في البنوك ما يضر بالشباب الراغبين في إقامة مشروعات صغيرة لارتفاع كلفة التمويل.

وأوضح سعيد يونس لـ”العرب” أن “مصر تدفع ثمن عدم قدرتها على الوفاء بالتعهدات بالبرنامج الذي وضعته الحكومة مع صندوق النقد الدولي، وبالتالي لا يمكن توجيه اللوم إلى وكالات التقييم الائتماني على خطوتها بخفض تصنيف البلاد”.

وتلتزم الوكالات بإظهار الحقائق للمستثمرين، فلديها عملاء يرغبون في معرفة مستقبل الاستثمار في مختلف بلدان العالم، ولذلك تُصدر التقارير بشكل حيادي كما تُعلن ذلك بلا التفات إلى الأوضاع الاستثنائية، مثل الوضع في مصر حاليًا.

وعلى عكس الحالة المصرية، عدلت وكالات التصنيف الائتماني الثلاثة أخيرًا نظرتها إلى الاقتصاد التركي عقب خفض التقييم خلال شهر أغسطس من العام الماضي إلى أدنى مستوى في تاريخ البلاد بعد معاناة وانهيار سعر صرف الليرة والارتفاع الكبير في معدلات التضخم.

وبدلت تركيا سياستها الاقتصادية بعد نجاح الرئيس رجب طيب أردوغان في انتخابات الرئاسة واستجابة السلطات للانتقادات التي وُجهت إليها من تلك الوكالات، وتعاملت بحزم مع مشكلات الاقتصاد وسمحت إلى حد كبير بوجود سعر صرف مرن، ورفعت أيضًا معدلات الفائدة إلى نحو 25 في المئة بدلاً من 8.5 في المئة.

وقفزت أسعار الفائدة بنحو 30 في المئة خلال الأشهر الأربعة الماضية فقط في أنقرة، كما تشير توقعات بنوك الاستثمار العالمية إلى رفع الفائدة بنحو 10 في المئة خلال الاجتماعين المقبلين للبنك المركزي التركي بهدف مواجهة التضخم البالغ نحو 60 في المئة.

وهذان العاملان (سعر الصرف والفائدة) غير متاحين في القاهرة بنفس القدر الذي تتعامل به السلطات في أنقرة. وحال تعديل كل منهما بتوفير المرونة ورفع معدلات الفائدة المتوقفة لدواعي الانتخابات في البلاد خلال ديسمبر المقبل، سوف تتغير نظرة وكالات التصنيف تجاه مصر وتحولها إلى مرتبة أعلى.

وأكد عبدالمجيد حسن خبير الاستثمار في مصر أن خفض التصنيف الائتماني للبلاد لا يعبر عن حقيقة الاقتصاد المصري، لكنه ناجم عن ضغوط تعاني منها الدولة بسبب أزمة العملات الأجنبية، والسلطات قادرة على تفادي الأزمة.

وذكر في تصريح لـ”العرب” أنه “لا يمكن إنكار أن مناخ الاستثمار في مصر مازال جاذبًا بدليل عروض الاستحواذ التي تتلقاها شركات الدولة من جانب الصناديق السيادية والخليجيين في قطاعات متنوعة، فضلاً عن الصفقات التي تمت بالفعل”.

وأشار إلى أن وكالات التصنيف ذات الجنسية الأميركية وصندوق النقد الدولي يمارسان ضغوطًا كبيرة على القاهرة بعد سعي البلاد لتخفيف التعامل بالدولار واتخاذ خطوات عملية للانضمام إلى بريكس، ما يخفف من هيمنة صندوق النقد على اقتصاد البلاد.

ومن المتوقع أن تراهن السلطات في مصر على توفير الدولار بعيدًا عن تعويم الجنيه، وذلك باستمرار التفاوض مع المستثمرين الخليجيين لشراء حصص في الشركات التابعة للدولة ضمن برنامج الطروحات الذي جمعت منه البلاد حتى الآن نحو 2.5 مليار دولار، خوفًا من زيادات جديدة في الأسعار مع قرب انتخابات الرئاسة المصرية، حتى لا يعكر النظام مزاج المواطنين.

العرب