إفريقيا والماء

إفريقيا والماء

201562484157198734_19

يعالج هذا الكتاب قضية عالية الأهمية بالنسبة لما يزيد على 40% من ساكنة الأرض، بحيث يسعى الخبراء الفرنسيون والأفارقة من خلاله إلى تسليط الضوء على أزمة المياه في إفريقيا، بل وإلى قرع أجراس الإنذار حول الخطر المتفاقم والمتعلق بالهدر المتواصل للثروة المائية وتبديدها بسرعة من دولة إلى أخرى، بحيث بات يفتقد 600 مليون شخص  في إفريقيا المرافق الضرورية لتسيير الموارد المائية؛ كما تدور الأبحاث المنشورة أساسا حول مستقبل القارة السمراء في وجه المخاطر الأمنية والتحديات الإستراتيجية التي تتعلق باستغلال المصادر المائية، والسبل الكفيلة بإنهاء مهددات الأمن المائي.

ومع أن كتاب “إفريقيا والماء” يحاول طمأنة الشعوب، إلا إنه بإمكان الخبراء الاهتداء إلى الحلول الملائمة والتي من شأنها المساعدة في إيقاف هدر الثروة المائية وتلويثها عبر معالجة الأسباب التي أدت إلى ذلك واتباع نظم صارمة في الصرف الصحي، لكن هذا التفاؤل سرعان ما يغيب لعدم وجود إجراءات رسمية صارمة وقوانين رادعة ومجتمعات واعية.

الماء بين تحديات الجغرافيا ومطامع السياسة

الكتاب باللغة الفرنسية وعنوانه: إفريقيا والمياه هو كتاب يعد بمثابة حصيلة لمعالجة جماعية استطاع من خلالها 28 خبيرا في قطاعات المياه وتقنيات الصرف الصحي تقاسم خبراتهم حول 14 بلدا إفريقيا، وهم يفصلون المؤلف إلى جزئين أولهما حول إشكالية المياه في إفريقيا. والثاني يتطرق لتجارب الدول الافريقية.

صدر الكتاب العام 2014 عن الجمعية الإفريقية للمياه (AAE) التي أوكلت مهمة تحريره إلى عضو مجلس إدارتها الخبير الفرنسي والدولي في مجال المياه وتقنيات الصرف الصحي كلود جاماتيه؛ الذي يسارع إلى التأكيد على أن القارة الإفريقية كانت قد عرفت بواكير إشكاليات المياه بالتزامن مع شروع القوى الأوروبية الكبرى منذ العام 1885 في تنفيذ مخططاتها القاضية بتقاسم خيرات القارة السمراء، بما في ذلك الصراع حول حدود المستعمرات الجديدة والتي كانت في الغالب الأعم تتمحور حول حيازة الأنهار أو البحيرات وتقنين حرية الملاحة في الأنهار.

تتزود القارة الإفريقية من المياه انطلاقا من سبعة عشر نهرا كبيرا، وكثيرا ما تكون تلك الأنهار الحدود الطبيعية بين البلدان شأنها في ذلك شأن نهر النيل الذي يفصل بين إحدى عشرة دولة والذي يعد من مصدرا لعدم الاستقرار الحدودي بين أغلب تلك الدول، وبالإضافة إلى ذلك توجد في إفريقيا 160 بحيرة من ضمنها البحيرات العظمى الإفريقية التي تعد بحق أغنى مناطق إفريقيا بالماء؛ فهي خزان ماء ضخم وهي منبع نهر النيل دون أن يحول هذا الوضع بين دولها الست ونشوب النزاعات العرقية والحدودية حول الموارد الطبيعية.

يرى البروفيسور رونالد بورتيير Ronald Portier بأن نصف البلدان الإفريقية باتت تحمل أسماء مستمدة من المياه، فيما خلص الخبير الفرنسي كلود جاماتييه في مناقشته للمعضلة ضمن الدراسة الاستهلالية للكتاب تحت عنوان (إفريقيا والمياه: الإشكالية/ L’Afrique et l’eau : la problématique)  إلى أن أربع عشرة دولة تفتقد المصادر المائية الكافية والتي تتعاظم حاجتها إليها بالنظر إلى الزيادة السكانية الملاحظة؛..”لا يمكن الجدال حول وفرة موارد المياه المتجددة في القارة الإفريقية، ولكنها تتعرض للتوزيع غير المتساوي : 5400 مليار متر مكعب للسنة. فقط 4% من هذه الموارد يجري استخدامها كمياه صالحة للشرب.. وفي كل المناطق الإفريقية، ما عدا وسط إفريقيا فإن نصيب الفرد الإفريقي من الماء يبقى في حدود (4008 متر مكعب -2008)” وهي نسبة تقل عن المعدلات العالمية المتعارف. ويضيف الباحث في دراسته إلى أن فقر الماء يطال 80% من الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى مصادر المياه الصالحة للشرب الموجودة في إفريقيا.

يعدد الخبير كلود جاماتييه التحديات الكبرى التي تعترض الاستغلال الأمثل لموارد القارة المائية بعدالة، فهو يجملها في:

  • المستوى المتسارع للتحضر والكثافة السكانية:  “فمن المنتظر أن تنتقل أعداد سكان إفريقيا سنة 2015 والمقدرة ب 1.15 مليار نسمة إلى 2 مليار بحلول العام 2050. وسيلقي هذا النمو السكاني أساسا بظلاله على الزيادات المعتبرة لساكنة المدن.. فقبل 2025، فان سكان الوسط الحضري في إفريقيا سيصلون إلى 750 مليون نسمة، وسيفوقون بذلك مجمل سكان أوروبا” ويعتقد الباحث أن هذا النمو غير المتحكم فيه سيحدث فجوة وخيمة بالنظر إلى ما هو متاح من الثروة المائية والتي تتعرض لمزيد من المسلكيات غير المخططة العواقب من قبل صناع القرار في إفريقيا.
  • يصف الكتاب إفريقيا بأنها إحدى أكثر القارات هشاشة أمام ظاهرة التغيرات المناخية بحيث لا يقتصر الوضع على ندرة المياه وإنما يكمن في التفاوت الحاصل في القارة من ناحية نسب هطول الأمطار في كل مكان و زمان. ويرجع صاحب الدراسة السبب إلى وقوع إفريقيا في المنطقة الجافة من الكرة الأرضية، حيث تتفشي ظاهرتي الجفاف والفيضانات معا؛ ويعيش ما يزيد على 40%من سكان إفريقيا في أجزاء واسعة من الأراضي شبه القاحلة و الأراضي الجافة أو الرطبة. “في 16 دولة افريقية يتجاوز التصحر ال50%”.
  • وفي الوقت الحالي، فإنه من بين 54 بلدا أفريقيا فقط 26 دولة استطاعت أن تحقق انجازات في واحد من أهداف الألفية الثمانية فيما يتعلق بتخفيض نسبة الأشخاص الذين لا يمكنهم الحصول باستمرار على مياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي الأساسية  إلى النصف، وتظهر الدراسة أيضا أن 9 دول  أفريقية أخرى ينبغي عليها العمل على تحقيق هذا الهدف، حيث يفتقد نصف سكانها المرافق الأساسية في مجال الصرف الصحي. وفي الوقت الحالي تظهر التقديرات الإحصائية أن 400 مليون إفريقي أصبح يرتبط بخدمات الصرف الصحي اللائقة. ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن إحراز التقدم في مجال الصرف الصحي يبقى التحدي الأساسي بالنسبة للسكان.

وكما هو معروف تتمثل مصادر المياه الطبيعية في القارة الإفريقية في : مياه الأمطار، والمياه الجوفية، ومياه الأحواض والأنهار، بالإضافة إلى الموارد المائية السطحية، ويتعرض الكتاب بشيء من التفصيل للتحديات التي تعترض تسيير هذه الثروة بمختلف مصادرها كما يقترح الخبراء المساهمون في الكتاب العديد من الحلول الملائمة لمشاكل الصرف الصحي.

ولهذا؛ أفسحت الجمعية الإفريقية للمياه من خلال إصدارها لكتاب إفريقيا والماء المجال أمام الخبراء الأفارقة؛ “للتعبير عن قضاياهم الرئيسية، والتي بدونها لا يمكن أن يحدث تطور إيجابي يمكن تصوره”. وهكذا؛ استطاع كتاب أفارقة من الجنسين، وخبراء في قطاعات المياه والصرف الصحي في دول مختلفة كالبنين وبوركينا فاسو وكوت ديفوار والغابون والمغرب وجمهورية جنوب أفريقيا، السنغال، ومن تونس والتوغو إثراء فصول هذا الكتاب عبر نقل تجارب بلدانهم في مجال تسيير المياه؛ والتحدث حول مدى التزامهم بشأن المياه وعملهم اليومي لفائدة الصالح العام، وحيث يكون السكان في حاجة لمن يروي الأرض الظمآى… كما وضع هؤلاء ذكاءهم، ومهاراتهم الجماعية ببراعة لخدمة الشأن العام في بلدانهم، ومن أجل تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية المتعلقة بالمياه والصرف الصحي التي التزمت الأمم المتحدة بتحقيقها بحلول عام 2015، وفق مقدمة الكتاب.

التشخيص: إفريقيا تحتاج لكل قطرة ماء

تداعى للمشاركة في هذه الدراسة للحديث حول تحسين مهارات الإنسان الإفريقي وهو يهم بفتح صنبور المياه في بيته حيث ركزت الدراسات على العديد من المواضيع الحيوية بحيث يتعين على كل فرد عدم التفريط في قطرات الماء المنسكبة في القدح، كما أظهر بعض الخبراء أنه أمام ندرة المياه في أجزاء واسعة من إفريقيا يجب أن تتحلى الشعوب الإفريقية بالوعي اللازم لمنع مزيد من الهدر عبر شبكات المياه.

ناقش الكاتب سيلفين أوشير؛ الأمين العام للجمعية الإفريقية للمياه خلال تطرقه للهدف السابع من أهداف الألفية الإنمائية إلى ظاهرة ضياع كميات المياه وتسربها من خلال توصيلات شبكات المياه في إفريقيا. وهو ما أسماه المياه غير المفوترة “الماء الصالح للشرب هو منتج يتم تمريره من داخل المصانع ومن ثم يعاد توزيعه على الزبناء المشتركين في الشبكة المائية… وللأسف، فإن أغلب الشركات العاملة، وخاصة في إفريقيا، تسجل بشكل لافت ضياعا مخيفا للمياه غير المفوترة”؛  و ذلك بفعل قوة ضغط المولدات أو أخطاء في معالجة المعطيات، وأحيانا من خلال السرقات أو الاستهلاك في نقاط المياه غير المرخصة ودون تدقيق حاسوبي.. الخ.

وللتدليل على وضعية هدر المياه بالطرق المبينة أعلاه يرفق الأمين العام للجمعية الإفريقية للمياه الدراسة جدولا بحجم ظاهرة المياه غير المفوترة؛ وذلك على ضوء دراسة أنجزتها جمعيته بالتعاون مع البنك الدولي بحيث تمكنت الدراسة من رصد نشاط 100 شركة بإفريقيا ما بين (2006-2009)؛ وبحسب مناطق القارة الأربعة فإن الظاهرة تتفاقم بشكل مخيف في شرق إفريقيا بحيث تعادل نسبة 44% سنة 2006 وتنخفض إلى حدود 41% مع حلول العام 2009. وتأتي شمال إفريقيا في المرتبة الثانية بمعدل 36% سنة 2006، وهي النسبة التي تتجاوز 39% خلال العام 2009. وبصفة عامة فإن نسبة المياه غير المفوترة سنة 2009 تصل إلى 33% طبقا لهذه الدراسة.

وفي سياق متصل؛ يورد الخبير الإيفواري دراسة أجراها المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة حول الاتجاهات الرئيسية لاستخدام المياه المنزلية وتظهر هذه الدراسة أيضا التالي:

  • 32% من استهلاك المياه يجري في دورة المياه.
  • 29% من المياه يتم ضخه في الحمام أو الدش، فيما لا يتعدى الاستخدام اليومي للمياه في أغراض الطهي نسبة ال10%.

تحديات ندرة المياه في إفريقيا

كما هو سائر في أنحاء مختلفة من العالم كالصين والشرق الأوسط فإن لأزمة المياه على صعيد القارة الإفريقية أبعادها الأمنية والاستراتيجية كذلك، وإنه بالنظر إلى الحيز الجغرافي والجيولوجي المميز، فإن القارة الإفريقية تأوي مخزونا هائلا من “الذهب الأزرق”، والمصادر الغنية بالمياه العذبة. وكتاب “إفريقيا والماء” ليس فقط مرشدَ سلوك للأفارقة بل هو كتاب يتضمن العديد من الدراسات التي تعني بالتحديات الأمنية والاستراتيجية التي تعترض مصادر المياه في إفريقيا؛ ويكتب الخبير الفرنسي فرانك غالان حول هذا الموضوع البالغ الحساسية.

توجد مخاطر سياسية متمثلة في استقطاب القارة لرؤوس الأموال الأجنبية بل وسكان القارات الأخرى وخاصة آسيا التي شهد مواطنوها هجرات منتظمة إلى البلدان الإفريقية،.. إذا كانت الدول الإفريقية فقيرة وشاسعة المساحة فإن عددا من الدول الآسيوية وبلدان الشرق الأوسط، ولأسباب مرتبطة بنقص المياه والتحضر المتسارع وضيق الأراضي الكافية للسكان؛ فقد وجد هؤلاء أنهم مجبرون للمغادرة إلى إفريقيا. والحالة هذه تنطبق على كوريا الجنوبية، التي يحوز مواطنوها 50% من الأراضي الصالحة للزراعة في مدغشقر، وهو ما يتسبب في أزمة سياسية في الجزر، وطبقا للدراسة فإن الأزمة تنطبق أيضا على الجالية الهندية المقدر عددها في هذا البلد الإفريقي 232 ألف نسمة.

وتلفت الدراسة النظر أيضا إلى سياسات التنمية الزراعية لجمهورية الصين الشعبية في عدد من الدول الإفريقية وخاصة في جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا، فضلا عن الاستثمارات الخليجية في جمهورية السودان.

ويحذر المؤلف من التحدي الأكبر لمنطقة شرق إفريقيا وذلك في أطار الإرادة التي عبرت عنها أثيوبيا، الى جانب دول أخرى في 14 مايو/ أيار 2010 والداعية إلى إعادة تقاسم المياه من جديد في نهر النيل، وهو الموقف الذي سارعت مصر إلى رفضه بعدما حذرت من أن مشروعا يقضي بتخفيض مستوى الضخ في نهر النيل انطلاقا من دول المنبع يعد “تهديدا لأمنها القومي كدولة مصب”. ويورد الخبير الموقف الأثيوبي باعتبار أديس أبابا ترى أنه من بين أولوياتها الاستراتيجية فرض “حقها كاملا في مياه النهر”.

يعتبر نهر النيل أطول أنهار العالم حيث يمتد من منابعه الاستوائية حتى مصبه في البحر المتوسط مسافة 6741 كم، ويمر نهر النيل داخل تسع دول إفريقية (بروندى – رواندا – زائير – تنزانيا – أوغندا – كينيا – أثيوبيا وهى دول المنبع، السودان – مصر دولة المصب).

وفي ظل الأزمة التي نشبت بعد الإعلان الإثيوبي بإنشاء سد النهضة العظيم على نهر النيل هددت مصر سنة 2009 بالتدخل عسكريا إن اقتضت الضرورة بهدف وقف المشروع و أعلنت تمسكها بالمعاهدات والاتفاقيات الموقعة حول حصتها من نهر النيل (معاهدة أديس أبابا 1902- معاهدة لندن 1906 – معاهدة 1925 بين بريطانيا وإيطاليا – اتفاقية 1959 بين مصر والسودان)، ولكن الخبير الفرنسي يختم بهذه الفقرة : “من شأن التدخل الأمريكي العاجل لغرض لعب دور الوسيط بين مصر وأثيوبيا، بصفتهما البلدان الأكثر استفادة من العون الخارجي لواشنطن، أن يخفف من حدة التصريحات المتبادلة بين الحكومتين وحتى لا تتدهور علاقاتهما بسبب تقاسم مياه نهر النيل”. والسؤال الذي يبقى مطروحا هل التدخل الأمريكي سكون حلا للأزمة أم مسكنا لها إلى حين؟

وانطلاقا من إشادة المؤلفين والخبراء بتجربة الشراكة بين القطاعين العام والخاص في كل من الجزائر والمغرب وما وفرته للبلدان من فرص مكنت حكوماتهما من تحسين إدارتهما للموارد المائية وعلى كل المستويات؛ يناقش الخبير المغربي منير زوغاري هذا الموضوع من خلال ورقة تحت عنوان “قطاع المياه الصالحة للشرب في المغرب”.

إن كتاب “إفريقيا والماء” هو خلاصة للدراسات والتقارير ذات الصلة والتي تسجل تحقيق مكاسب واضحة في مجال السياسات الوطنية والتطورات الحاصلة في مجال إدارة الموارد الطبيعية في إفريقيا، ولكن المحرر يخلص إلى أنه في الوقت الحاضر، يظل حوالي 300 مليون إفريقي غير قادرين على الوصول إلى المياه الصالحة للشرب، كما أن الاستثمارات المالية في مجال الصرف الصحي تبقى دون الاحتياجات اليومية للسكان، كما يستفيد من توصيلات المياه إلى المنازل فقط 47% من سكان المدن الإفريقية، ويشير محرر الكتاب الخبير الدولي “كلود جاماتيه” إلى أن مقاربة المياه هي مرآة الشعوب ستفيد أن إفريقيا ليست استثناء.

المحرر: كلود ماجاتيه

عرض: عبيد أميجن

مركز الجزيرة للدراسات