البدون في الكويت.. قضية إنسانية يُخشى تحولها لـ”أمنية خطيرة”

البدون في الكويت.. قضية إنسانية يُخشى تحولها لـ”أمنية خطيرة”

bdon-kuwait

تردد اسم “البدون” كثيراً في وسائل الإعلام الكويتية خلال الفترة الماضية، وذلك على خلفية الأحداث الأمنية التي شهدتها البلاد، وكان آخرها تفجير مسجد “الإمام الصادق” في السادس والعشرين من الشهر الماضي، والتي أسفرت عن مقتل 26 شخصاً، وما تبعه من اعتقال أشخاص لهم علاقة بالتفجير، تبيّن أنه من البدون وفق التحقيقات.

هذه الحادثة سلطت الضوء من جديد على قضية “البدون”، والجدل القائم حول طريقة تعامل الدولة الكويتية مع هذا الملف الذي يتقلب في الشارع الكويتي منذ سنوات طويلة دون الوصول إلى حل جذري يحفظ للدولة الكويتية هيبتها القانونية ويحفظ للبدون حقوقهم الإنسانية.

– من هم البدون؟

البدون، أو غير محددي الجنسية، أو مقيم بصورة غير شرعية، أو مقيم بصورة غير قانونية، كلها أسماء للتعبير عن فئة سكانية تعيش في الكويت ولا تمتلك الجنسية الكويتية. عرفوا بهذا الاسم نسبة لكونهم “بدون جنسية”. ويعود السبب الرئيسي في تسمية فئة البدون بهذا الاسم إلى الفترة التاريخية من 1950 حتى عام 1979 حيث تدرجت تسميتهم في الوثائق الرسمية من “غير كويتي” إلى “بدون جنسية” إلى “مقيم بصورة غير شرعية”.

ونسبة من البدون تعود لأصول بدو رحل من بادية الكويت، سكنوا شبه الجزيرة العربية منذ آلاف السنين وانتقلوا للعيش في المدن بعد ظهور النفط وتطور البلاد. ونسبة أخرى قدموا من بلدان أخرى ويخفون وثائقهم ومستنداتهم الأصلية لإخفاء جنسياتهم الأصلية.

– تشريعات وقوانين

تطور وجود البدون في الكويت خلال السنوات الماضية، وتقلصت أعدادهم إلى النصف تقريباً بعد غزو الكويت من قبل الجيش العراقي عام 1990، حتى وصل إلى 100 ألف أو 120 ألف نسمة بعد التحرير. ويطالب البدون بمنحهم الجنسية الكويتية ليصبحوا مواطنين بشكل قانوني.

الدولة الكويتية تناولت قضية البدون في العديد من التشريعات والقوانين التي حاولت من خلالها التخفيف من عبء هذه القضية. ففي عام 1999 أصدر أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح مرسوماً يقضي بمنح ‏الجنسية لـ2000 من البدون سنوياً، لكن أوقف العمل بالقانون بعد فترة قصيرة، ليتم إقراره فيما بعد من طرف مجلس الأمة مع قيود على شروط منح هذه الجنسية.

وفي عام 2007 أقر مجلس الأمة الكويتي قانوناً يقضي بتجنيس 2000 شخص من فئة غير محددي الجنسية أو البدون، وقد حظي القرار بـ45 صوتاً مقابل معارضة نائب واحد وامتناع نائبين آخرين عن التصويت. وفي العام نفسه، وبالتحديد قبل نهاية العام بيوم واحد فقط، تم تجنيس 573 فرداً، من بينهم فقط 26 كويتياً بدون، أما البقية فيعتبرون من دول الجوار أو من حاملي الجنسية لدول أخرى.

ويشتكي البدون من عدم وجود وثائق رسمية لهم، ما يمنع الاستفادة من الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية لهم ولأطفالهم، ويطالبون بشكل مستمر بالحصول على الجنسية الكويتية، لكن الحكومة الكويتية ترد بأنها تراعي الجانب الإنساني لهذه القضية، إلا أنها لا تستطيع أن تمنح الجنسية لكل من يطلبها في هذا العالم، وأنها تتعامل مع هذه القضية كل حالة على حدة.

الحكومة الكويتية قدمت مبادرة للبدون الذين يخفون جنسياتهم عام 2011 تنص على أن كل من يكشف عن جنسيته الأصلية يحصل على مزايا الدولة، ويتم منحه حق الإقامة بشكل فوري لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد لجميع أفراد الأسرة، وفق المادة 24 “كفيل نفسه”، إلى جانب خدمات التعليم والصحة المجانية، والحصول على بطاقة تموين للأسرة. وتمنح الدولة هؤلاء الأشخاص أيضاً أولوية التوظيف لدى الجهات الحكومية بعد الكويتيين، وتعفيهم من شرط الراتب لدى استخراج رخصة القيادة، إضافة إلى عدد من الامتيازات والإعفاءات الأخرى.

وبحسب الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية، فإن 4851 فرداً عدلوا أوضاعهم إلى الجنسية السعودية، في حين عدل 754 فرداً أوضاعهم إلى الجنسية العراقية. بالإضافة إلى 702 عدلوا أوضاعهم إلى الجنسية السورية، مقابل 78 عدلوا أوضاعهم إلى الجنسية الإيرانية، و46 إلى الجنسية الأردنية، إلى جانب 429 عدلوا أوضاعهم إلى جنسيات أخرى، وذلك حتى نهاية يوليو/حزيران الماضي.

– البدون بين الأمن والمواطنة

أمنياً، أثار إلقاء القبض على اثنين من البدون متهمين في المشاركة بالتفجيرات الأخيرة في الكويت حالة من القلق لدى الدولة الكويتية، مما دفع الحكومة إلى الإيعاز إلى وزارة الداخلية بإيقاف إصدار جوازات السفر مادة 17 للبدون، إلا في حالات العلاج المرسل على نفقة الدولة.

وكان الوكيل المساعد لشؤون الجنسية ووثائق السفر، اللواء مازن الجراح، أصدر تعليمات بوضع قفل على كل “بدون” يطلب الحصول على مادة 17 وعليه قيود جنائية، ولا سيما المتهمين بقضايا حمل السلاح وإطلاق النار والسرقات والمخدرات.

وفي قضية المواطنة، نظم البدون تظاهرات استمرت 5 أيام متتالية في فبراير/ شباط العام 2014، لحث الحكومة الكويتية على تسريع الإجراءات لحل قضيتهم. وشهدت المظاهرات مواجهات عنيفة، فيما عرف باسم أحداث “تيماء” بمحافظة الجهراء، شمالي الكويت، استخدمت فيها قوات الأمن القنابل المسيلة للدموع والقنابل الدخانية والصوتية، وردّ المتظاهرون بإلقاء الحجارة على رجال الشرطة. واعتقلت الشرطة العشرات منهم على خلفية هذه التظاهرات، قضت المحكمة ببراءة 33 شخصاً بعد اتهامهم بالتجمهر في القضية ذاتها.

لكن يبدو أن التنظيمات “الإرهابية” تحاول استغلال الوضع غير القانوني لبعض البدون من ناحية عدم وجود قيود رسمية لهم، واستثمار ذلك في التهرب من القيود الأمنية التي تفرضها أجهزة الدولة الكويتية، ومحاولة تنفيذ هجمات ضد مصالح ومواطني الكويت، مما جعل قضية البدون محل استغلال يسيء إلى حقوقهم التي يطالبون فيها الدولة.

منظمات حقوقية تطالب الحكومة الكويتية بحل قضية البدون بما يتناسب مع حقوق الإنسان، ومنح أكثر من 120 ألف شخص الجنسية، إلا أن الحكومة الكويتية وعدت في أكثر من مناسبة بحل هذه القضية وفق القانون، وقالت بأنها تتعامل مع كل حالة على حدة، وفق المعايير الدولية والقانونية.

 صالح عيّاد

موقع خليج أون لاين