الباحث العراقي ستار علاي: إستراتيجية ترامب صبت في صالح إيران

الباحث العراقي ستار علاي: إستراتيجية ترامب صبت في صالح إيران

يحمل اختلاف السياسات الأميركية مع إيران منذ إسقاط حكم الشاه قبل أربعة عقود، في طياته الكثير من التناقضات، ولاسيما في ما يتعلق بالبرنامج النووي، فبينما تتقاطع تساؤلات الباحثين وتحليلات الخبراء حول مدى قدرة طهران على امتلاك سلاح نووي في ظل تأثير المتغيرات الداخلية والخارجية، تشير بعض الدلائل إلى أن أسلوب الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب والمتمثل في الضغط الأقصى لم يؤت ثماره كما يجب.

القاهرة – هل ستتوقف إيران عن الاستمرار في برنامجها النووي؟ هنا تتباين الإجابة على ذلك، فإذا كانت الإجابة بالإيجاب، سيكون السؤال الثاني هو متى؟ أما إذا كانت الإجابة بالنفي، فسيكون السؤال هو لماذا؟ وما هي النتائج؟ وهل سيؤدي استمرار هذا البرنامج إلى سقوط النظام السياسي الإيراني أم لا؟

وليس ذلك فحسب، بل إن الإجابة على التساؤل الثاني تزخر بعدة نقاط أخرى تهم الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية لهذا البرنامج في بعده الداخلي، وما دور الدول الإقليمية والدولية في محاولة إقناع إيران بوقف برنامجها، أو التعهد الرسمي بعدم التحول إلى التكنولوجيا النووية العسكرية؟ ومتى يمكن أن تقبل إيران طواعية بالحد من تطوير قدراتها التكنولوجية النووية؟

وانطلاقا من هذه الرؤية، سعت دراسة الباحث العراقي ستار جبار علاي “البرنامج النووي الإيراني.. تحليل البعدين الداخلي والخارجي” إلى محاولة تتبع بدايات ذلك البرنامج المثير للجدل ودور الدول الغربية في تمكين إيران في عهد الشاه من السير في طريق امتلاك بعض المفاصل المهمة في ميدان الطاقة النووية وخصوصا دعم الشركات الألمانية.

وهذا الطرح لا يمكن تناوله بمعزل عن دور الولايات المتحدة التي كانت الداعم الرئيس للشاه في طموحاته، فهل هي مصالح أم اختلاف أولويات؟ ولماذا هذه التحركات اليوم لمنع إيران من امتلاك التقنية النووية؟ فواشنطن هي من حفز الشاه في مجال الطاقة النووية، ولماذا تغيرت هذه الرؤية بعد الثورة الإسلامية العام 1979؟ هل هو اختلاف؟

ويعتقد علاي في دراسته الصادرة عن دار العربي، أن تلك القضية تثير إمكانية اتجاه المنطقة إلى دخول العصر النووي، وإذا تم وقف تقدم إيران باتجاه القنبلة النووية المفترضة، ستكون قد امتلكت بالفعل، وباعتراف دولي، أول برنامج نووي إقليمي ضخم لإنتاج الطاقة.

وهذا سيدفع باتجاه نوع آخر من الانتشار النووي، لكن من باب مختلف هو القدرات النووية السلمية غير البحثية،والتي ستفرز تأثيرات استراتيجية لا تقل أهمية في كثير من جوانبها عن تأثيرات الأسلحة النووية.

وقد توقف مسار انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط تقريبا عند حدود إسرائيل أو على الأقل تم تعليقه إلى حين تصل مشكلة إيران النووية إلى نهاية محددة لها، فقد انتهى البرنامج النووي العراقي عمليا في منتصف تسعينات القرن الماضي.

وهنا يستخلص علاي نتيجة مفادها أن السياسة التي جاء بها الرئيس دونالد ترامب ضد إيران لم تؤد إلا إلى تقوية المؤسسة الدينية والجماعة التي تقوم بفرض رؤيتها، وهي الحرس الثوري، وهو المعسكر المتشدد الذي طالما خاف من أن تؤدي الاتفاقية النووية إلى إضعاف سلطته ومصالحه الثابتة، من خلال فتح إيران وشبابها باب القلق على العالم.

يلفت الباحث الأمني علاي في كتابه إلى ما قدمته التجربة الإيرانية من دروس مهمة، ونشير هنا إلى درسين، الأول يتعلق بسياسة مجموعة موردي المواد النووية، فقد وضعت الولايات المتحدة والموردون الرئيسيون الآخرون قيودا على الوصول إلى التكنولوجيا الحساسة مثل تخصيب اليورانيوم.

وتم الاتفاق في 1976 عبر مجموعة من المبادئ التوجيهية على ممارسة ضبط النفس في نقل المنشآت الحساسة والتكنولوجيا والمواد الصالحة لصنع الأسلحة، وتم تقييد الوصول إلى تكنولوجيات معينة ثبتت فعاليتها، لكن إيران وليبيا تمكنتا من الالتفاف على ممارسات مجموعة موردي المواد النووية بتحويل الموردين إلى السوق السوداء.

وقدرة إيران على تطوير التكنولوجيا المحلية جعلت من الطرق المحلية متاحة على نحو متزايد في ظل المعايير العالمية للارتقاء بالتعليم التقني، وفي ظل الاستخدام السلمي للتكنولوجيا النووية سيكون تزويد منشأة لتخصيب اليورانيوم واحدًا من الخيارات العديدة التي يجب مناقشتها والتفاوض بشأنها بعد ذلك.

ويعتقد علاي أن التفاوض يؤدي إلى فهم مخاوف الطلب والنوايا، وهذا الفهم سيوفر أفضل ضمان لمنع الانتشار أكثر من الممارسات التقليدية، فالقيود على الوصول إلى التكنولوجيا الحساسة قد تمنع الانتشار ولكن بدون ضمانات.

أما الدرس الثاني، فيتمثل في أن التكنولوجيا النووية وغيرها من التكنولوجيا المتقدمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهيبة والسمعة، وقد ارتبط البرنامج النووي الإيراني لدى صانع القرار الإيراني بالمكانة الوطنية والأهمية الرمزية لإتقان التكنولوجيا النووية.

السياسة التي جاء بها ترامب ضد إيران لم تؤدّ إلّا إلى تقوية المؤسسة الدينية والجماعة التي تقوم بفرض رؤيتها، وهي الحرس الثوري، ولم تضعف البلد اقتصاديا كما كان يتصور

وتبرز هنا ثلاثة مسارات في تعامل إيران مع القضية النووية، أوّلها، الحصول على سلاح نووي ويتمثل بقرار الإنتاج، لكنها ستطور سرا ذلك في غضون مدة زمنية قصيرة، وستقارن بين الثمن والعقوبة، ومواصلة الادعاء أنه ليس في حوزتها سلاح نووي ولا تسعى إليه، وسيكون من الصعب إثبات حصولها على ذلك، وتقليص الثمن الذي ستدفعه على الساحة الدولية.

ويشكل المسار الثاني سياسة التعتيم النووي، وتقوم على إعلان إيران أن في حوزتها سلاحًا نوويًا، وسيكون السلاح ميسرا للاستخدام الفوري، إذا دعت الضرورة إلى هذا، ولذلك فإن مصداقية الردع النووي تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل ستكون مرتفعة جدا.

وميزة هذا المسار تتمثل في إخفاء السلاح ما يساعدها على بناء ترسانة متزايدة للسلاح النووي سرا، فضلا عن كسب إيران الكبرياء الداخلية والإقليمية التي يتوقع أن يمنحها إياها السلاح النووي كاملة، وتضرر الثقة بردعها.

وفي ما يتعلق بالمسار الثالث، فهو يشمل سياسات علنية لامتلاك سلاح نووي أو التلميح بذلك أو تعزيز ذلك بإجراء تجربة نووية، لتدعيم مصداقيتها وبدرجة عالية، وبما يسمح لها بإجراء حوار مع الأطراف الأخرى لتقليص خطر نشوب مواجهات نووية في أعقاب عدم التفاهم.

يؤكد علاي أن وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة الأميركية كان بداية لمرحلة من التشدد تجاه إيران، وقرر الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018، وفرض حصارا اقتصاديا عليها، لكن طهران ترفض التفاوض حول تفكيك بنود الاتفاق النووي، وتشاركها في ذلك روسيا والصين.

ومع ذلك، فإن القوى الأوروبية المشاركة في الاتفاق لديها بعض التعديلات التي تشمل تشديد التفتيش على المنشآت، وتمديد مدة الاتفاق النووي، واقتراح اتفاق مكمل يشمل الأنظمة الصاروخية وبعض الملفات الأمنية في المنطقة، فيما يرى الإيرانيون أن المساعي الأوروبية غير جادة للحفاظ على مكتسبات إيران من الاتفاق النووي.

ولهذا يتجسد الموقف الإيراني في ثلاث رؤى تحديدا؛ الأولى، انسحاب إيران من الاتفاق النووي وإنهاء الالتزام بالاتفاق واستئناف تخصيب اليورانيوم بقوة. أما الرؤية الثانية فتتمثل في تقديم شكوى رسمية إلى اللجنة التي شكلت للبت في انتهاك مضمون الاتفاق النووي، وهو حق مكفول لجميع الأطراف فيه. وتتعلق الرؤية الثالثة بإمكانية اتخاذ إيران قرارا بالانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وهي إحدى الدول الموقعة عليها.

ويشير علاي في كتابه إلى أن الضغط الأميركي يأتي ضمن رؤية حربية تقليدية تركز على محاصرة العدو وتهديده، إما بالتجويع أو الدمار العسكري الهائل، فالتجويع قد يؤدي إلى انهيار النظام الاجتماعي، وظهور الصراعات الداخلية وفقدان الثقة ووقف الإنتاج في المؤسسات الحكومية، لتصل إلى ثورة شعبية على النظام، أو انهيار الدولة وتعريضها للغزو الخارجي السهل.

في المقابل، سيؤدي الدمار العسكري إلى انهيار النظام السياسي فلا يستطيع مواجهة تحد خارجي أو تمرد داخلي، ويبرز إثر ذلك نظام سياسي جديد يدرك خطورة التحدي فيستسلم لإرادة الآخرين. وهذا ما تفكر الولايات المتحدة في التوصل إليه جراء تشديدها للخناق الاقتصادي على إيران.

ولذلك نجد أن ترامب يراهن على تغيير جذري في سلوك النظام بسبب العقوبات، فيما تراهن إيران على تغيير في السياسة الأميركية مع الرئيس المنتخب جو بايدن، وكلاهما طموحان ويصطدمان بتعقيدات في الواقع السياسي في كل من واشنطن وطهران، فلا خروج ترامب حتميّ ولا عودة الديمقراطيين تعني عودة نهج أوباما، والدليل غض الديمقراطيين في الكونغرس الطرف عن مواقف الإدارة حيال إيران.

ويقول علاي إن النظام الإيراني لديه بدائل للتهرب من العقوبات وتخطي أزمات اقتصادية سابقة، وكل ذلك يرجح استمرار سياسة الضغوط والمواجهات غير المباشرة وشراء الوقت بين واشنطن وطهران إلى حين فرض مفاجأة غير متوقعة نفسها على المعادلة الحالية.

ومن الممكن ترجيح خيار التصعيد المنضبط، أي مسار الحل الجزئي، أو الحل المرحلي، والرهان على وجود فرص مواتية في المستقبل لتحقيق الأهداف. وقد تستفيد إيران من قرار الرئيس ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي في تصويره بأنه عدوان أميركي مدبر، وخروج أميركي متعمد عن الشرعية والقوانين الدولية.

ويمكن أن تميل إيران إلى التصعيد، إذ حدد المرشد الأعلى في مايو 2018، عدة شروط للاستمرار في الالتزام بالاتفاق النووي، وإلا ستستأنف إيران أنشطة تخصيب اليورانيوم إذا لم تستجب الدول الأوروبية الثلاث لهذه المطالب، وهي حماية مبيعات النفط الإيرانية من العقوبات الأميركية، ومواصلة شراء الخام الإيراني، ويجب على البنوك الأوروبية حماية التجارة مع إيران.

وتتمثل النقطة الأخيرة في تعهد الدول الأوروبية الثلاث بعدم الموافقة على المطالب الأميركية بالتفاوض حول برنامج إيران للصواريخ الباليستية، وأنشطتها الإقليمية، وبذلك فإن غياب الاستراتيجية لدى ترامب يصب في صالح إيران.

ورأى علاي أن قرار ترامب إدارة جلسة مجلس الأمن الدولي في الثالث من أكتوبر 2018، ووضعه إيران على مذبح “الدولة المارقة”، يعد لحظة مهمة أكثر من خطابه الذي ألقاه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

فعداء ترامب المستمر لإيران، وقراره من جانب واحد الخروج من الاتفاقية التي وقعها سلفه باراك أوباما عام 2015، أصبحا جزءا من المجازات المتماسكة في إدارته المتقلبة، وفي الوقت الذي استطاع فيه أن يحدث أضرارا في الشرق الأوسط، إلا أن صوته العالي يفشل حقيقة في تغطية نجاح إيران بالتعاون مع حلفائها في المنطقة للتفوق على الاستراتيجية الأميركية.

ويشير الباحث العراقي إلى أن النهج الذي تبناه ترامب في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط لم يؤد إلا إلى نجاحات موضوعية قليلة، فهو يتفاخر بأنه سيقوم بالإعلان عن “الصفقة الكبرى”، وحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، لكنه عبر ترجيحه قائمة الأماني لليمين الإسرائيلي وتجاه إسرائيل الكبرى، التي سيتم فيها تحديد حقوق الفلسطينيين، فإنه يزيد من مظلومية الطرفين والفوضى الدائمة.

ولقد عبر ترامب عن حالة من الاستمرارية وإحدى ثوابت السياسة الخارجية الأميركية، وكان قراره بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها تعبيرًا عن تحد لكل القرارات الدولية الخاصة بموضوع القدس، والتراجع عن حل الدولتين.

وربما قام بإغراق الاتفاق النووية عام 2015 التي وقعتها بلاده إلى جانب روسيا والصين وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، والتي أدت إلى تقليص واحتواء البرنامج النووي الإيراني، لكنه لم يقدم أي بديل مكانها، فهو وفريق مستشاريه للسياسة الخارجية يعتقدون أن إعادة فرض عقوبات اقتصادية تعسفية سيتؤدي إلى تقويض النظام الإيراني، بل ربما تغييره.

العرب