مواطنو المغرب العربي يواجهون ارتفاع الأسعار كل بطريقته

مواطنو المغرب العربي يواجهون ارتفاع الأسعار كل بطريقته

لم تكن بلدان المغرب العربي التي تعاني أصلا من الجفاف والتغييرات المناخية بمعزل عن أزمة ارتفاع أسعار الغذاء العالمية التي خلفتها الحرب الروسية – الأوكرانية. وأمام هذه المعضلة يواجه مواطنو هذه الدول الزيادة في الأسعار كل على طريقته، فيما تبذل الحكومات مجهودات لا تلقى ترحيبا شعبيا لتخفيف وطأة الأعباء الإضافية.

خالد هدوي/ صابر بليدي/ محمد ماموني العلوي

تونس/ الجزائر/ الرباط – تواجه حكومات دول المغرب العربي انتقادات شعبية لطريقة إدارتها أزمة ارتفاع أسعار الغذاء رغم الوعي المجتمعي بتأثيرات الحرب الروسية – الأوكرانية على سلاسل الإمداد العالمية.

وأمام الارتفاع المتصاعد للأسعار يواجه مواطنو المغرب العربي تحديات مشتركة لكن كل بطريقته، حيث وجد التونسيون في العودة إلى الأكلات التقليدية غير المكلفة ماليا ملاذا لمواجهة ارتفاع الأسعار، فيما يبحث الجزائريون عن مصادر دخل إضافية للحفاظ على توازناتهم المالية. أما في المغرب فإن التقشف وترشيد الاستهلاك يطغيان على السلوكيات الغذائية للمغاربة.

تونس
تحاول الأسر التونسية، مع استمرار ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية في الأسواق، تغيير طرق تعاملها مع متطلبات حياتها اليومية التي تفوق حسب المراقبين دخلها المادي، في خطوة للتأقلم مع الوضع. وتتّخذ موجة ارتفاع الأسعار في تونس نسقا تصاعديا، حيث شملت مختلف السلع والمواد الاستهلاكية والغذائية، فضلا عن ارتفاع أسعار الخدمات اليومية على غرار النقل والصحة والتعليم.

وتواجه باسمة المنوبي، وهي موظّفة خمسينية بوزارة التربية وربّة أسرة مكوّنة من 6 أفراد، صعوبات عديدة في توفير حاجياتها اليومية، في ظلّ الارتفاع المستمر للأسعار. وقالت في تصريح لـ”العرب”، “في ظلّ الأزمة الحالية أصبحنا نعيش اليومي، ولا أقتني إلا ما يلزم من المواد الاستهلاكية على غرار الحليب والبيض، ولم أعد قادرة على تخزين المواد كما اعتدتّ في السابق بسبب الارتهان للبنوك وضرورة توفير حاجيات أبنائي الذين يدرسون في الجامعة ونفقات خدمات الإنترنت والنقل والصحة، مقابل ضعف الراتب”.

وأضافت الموظّفة التونسية “ارتفعت أسعار زيت الطبخ بشكل لافت باعتباره عنصرا أساسيا في إعداد أغلب وجبات الغذاء، ما أدى إلى العودة إلى الأكلات التقليدية، مثل البرغل والمطبقة والمحمّص، للسيطرة على النفقات”، مؤكّدة أن “شراء قارورة زيت إضافية أصبح يؤثر بشكل لافت على النفقات”.

وتشهد أسعار اللحوم الحمراء في تونس خلال الفترة الأخيرة ارتفاعا جنونيا، حيث بلغ سعر الكيلوغرام الواحد منها 40 دينارا (12.82 دولار)، كما بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من الدجاج 6.5 دينار (2.08 دولار) على مستوى الإنتاج، وتراوحت الأسعار على مستوى المذابح بين 8.5 دينار (2.72 دولار) بالنسبة إلى الدجاج المذبوح و10 دنانير (3.21 دولار) على مستوى التفصيل.

وقفزت نسبة التضخم في تونس من 9.8 في المئة أواخر العام الماضي إلى 10.1 في المئة مع بداية السنة الحالية، وفق معطيات نشرها المعهد الوطني للإحصاء.

وعزا المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) ارتفاع نسبة التضخم إلى زيادة أسعار المواد الغذائية، بحساب الانزلاق السنوي، بنسبة 14.6 في المئة. وأرجع هذه الزيادة في أسعار المواد الغذائية، بالأساس، إلى ارتفاع أسعار البيض بنسبة 38.9 في المئة وأسعار لحم الضأن بنسبة 26.3 في المئة وأسعار الزيوت الغذائية بـ22.8 في المئة، ولحم البقر بـ19.5 في المئة، والخضر الطازجة بما يعادل 17.2 في المئة.

وتظهر بعض الدراسات أنه لضمان عيش كريم لعائلة في تونس تتكون من 4 أفراد، يجب أن يتوفر دخل شهري قدره 2466 دينارا (790.39 دولارا) لضمان الحصول على الاحتياجات الضرورية وهي أساسا التغذية والسكن والتعليم والصحة والخدمات.

وأفاد عمّار ضيّة رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك أن “الحاجة أم الاختراع والإنسان بطبعه يتأقلم مع الوضع الصعب، وهذا الأمر نبهنا إليه منذ مدّة وقلنا إنه إذا تواصل نسق ارتفاع الأسعار فسيشرع المستهلك في إعادة النظر في الأولويات، وبعض الفئات الضعيفة ستضحّي بالعادات الغذائية بسبب عجزها عن اقتناء حاجياتها على غرار اللحوم والأسماك”.

وقال لـ”العرب”، “المقاطعة عملية واعية، لكن ما نلاحظه في تونس الآن هو عجز عن اقتناء المواد الاستهلاكية، لذلك أصبح الكثيرون يقلّصون نفقاتهم حتى أن البعض يُجبر على التداوي بالأعشاب بدل اقتناء الأدوية من الصيدليات، وهناك شرائح كثيرة من المواطنين أصبحت تعيد النظر في أولوياتها وهذا سيؤثر على الغذاء الموجّه إلى الأطفال”.

ويرى متخصّصون في علم الاجتماع أن المواطن التونسي غيّر بعض العادات الغذائية بأخرى أقلّ كلفة في محاولة للتأقلم مع الظروف الاقتصادية والمادية الصعبة والحفاظ على التوازنات الأسرية.

وأفاد العيد أولاد عبدالله بأن “المواطن التونسي يحاول منذ الاستقلال في 1956 إلى الآن التأقلم مع تغير الأوضاع المعيشية ويعتمد الآليات القديمة مع البحث عن تدابير ظرفية لتلك الأزمات في ظلّ ضعف القدرة الشرائية”. وأضاف لـ”العرب”، “هناك عادات استهلاكية أصبحت من الكماليات، وبات المواطن منكبّا على توفير الأساسيات على غرار المواد الغذائية (المقرونة والكسكسي)، مع التفكير إن أمكن في توفير اللحوم البيضاء والأسماك عوض اللحوم الحمراء، فضلا عن كونه يتنقل ويبحث عن التخفيضات في الأسواق الشعبية وشراء الملابس المستعملة (الفريب)”.

ولا يتوقّف التونسيون عن البحث عن بدائل استهلاكية، حيث بات كثيرون يلغون ما هو ثانوي ويقتصرون على اقتناء المواد الأساسية، كما أن البعض عاد إلى الإقبال على الأكلات التقليدية المتوارثة في البلاد.

وأكّد أولاد عبدالله أن “هناك عودة إلى الأكلات التقليدية وهي ظاهرة قديمة – جديدة في الاستهلاك الأسري. كما أن أغلب الموظفين في القطاعين العام والخاص، وخاصة منهم النساء المشتغلات، يعتمدون على تقليص عدد الوجبات والطبخ إلى وجبتين ممتزجتين (غداء وعشاء) كما نلاحظ العودة إلى فضلات الأسواق الأسبوعية وتجميع الخبز”، لافتا إلى أن “أنشطة الثقافة والترفيه أصبحت من آخر اهتمامات التونسيين”.

وجدت الأسر الجزائرية نفسها في السنوات الأخيرة بين كماشة متعددة الأسنان، فعلاوة على الأزمة الاقتصادية التي ضربت البلاد منذ صائفة العام 2014 ساهمت جائحة كورونا والأزمة الأوكرانية والتوجهات الليبرالية للحكومة في تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي لمختلف الفئات الاجتماعية، الأمر الذي دفع الكثير من الأسر إلى البحث عن مداخيل إضافية لضمان حاجياتها الأساسية، رغم أن الحكومة مازالت متمسكة بدعم المواد الاستهلاكية الأساسية على غرار الزيت والحليب والسكر والخبز.

وغزت محال الحلويات والخبز التقليدي ومختلف المخبوزات، شوارع مختلف المدن والضواحي الجزائرية، مترجمة بذلك تحولا اجتماعيا وحرفيا لافتا، فالأمر لم يعد يقتصر على حلويات موسمية كـ”الزلابية” التي تستهلك بشكل كبير خلال شهر رمضان، أو بعض العجائن التقليدية، بل تعداها إلى أنواع كثيرة باتت تنافس المنتوجات والمحال العادية.

وكثيرا ما تشكل المقاهي الوجهة الأساسية لتسويق تلك المنتوجات، لعلاقة استهلاكية مستجدة تعكس تحولا اقتصاديا واجتماعيا داخل المجتمع، فأصحاب الحرف الجديدة هم عائلات وجدت في مهن تقليدية تتقنها أغلبية النساء الماكثات في البيوت فرصا لتنفيذ استثمارات بسيطة تحقق مداخيل إضافية للعائلات من أجل توفير حاجياتها الأخرى، وفي المقابل وجد مستهلكون في الأسعار المعقولة لتلك المواد فرصة لتغيير نمط استهلاكهم وعقلنة نفقات جيوبهم، لأن الحلويات والمعجونات الأخرى لم تعد في المتناول بسبب الارتفاع الصاروخي للأسعار.

وصارت المحال تزاحم بعضها بعضا، ونصبت طاولات في كل زوايا الضواحي الشعبية لبيع كل ما هو تقليدي بأثمان معقولة، وهي معادلة العقد الاجتماعي الجديد التي اخترعها الذكاء الجمعي من أجل مواجهة أعباء الحياة، فموجة الغلاء الواسع غيرت السلوك التجاري والاستهلاكي داخل المجتمع.

◙ مداخيل الفئات الهشة في الجزائر تبقى بعيدة عن شروط الحياة الكريمة رغم الترفيع في الأجور والمعاشات

ورشيد، صاحب مقهى بحي بلوزداد الشعبي في العاصمة، يتعامل خلال السنوات الأخيرة مع حرفيين بسطاء يوفرون له مختلف الحلويات والمخبوزات التقليدية، التي تستهلك بكثرة من طرف الزبائن بسبب أسعارها المعقولة، مقارنة بالمنتوجات العادية الأخرى، ولأن الرجل يتعامل يوميا مع مختلف الفئات والأعمار، فلقد جعل منه المقهى خبيرا في شؤون وخبايا الناس.

وذكر في حديثه لـ”العرب” أن “هذه المهنة (صاحب مقهى)، جعلتني ألامس وأكتشف الطبائع والتحولات الاجتماعية، ويبقى الوضع الاقتصادي عاملا أساسيا في التغيرات الاجتماعية.. لا أخفي عنكم أني صرت صاحب دفتر دين لأن بعض الزبائن ليس في مقدورهم دفع ثمن فنجان القهوة يوميا، وهناك من يتحايل في دفع ثمنه”.

وعموما بات الدخل الإضافي ملاذ الأسر الجزائرية لمواجهة موجة الغلاء الفاحش، وإذ شكلت المرأة الماكثة في البيت عصب ظاهرة اقتصادية واجتماعية أعادت الجزائريين إلى منتوجاتهم الاستهلاكية التقليدية، فإن الأمر ينسحب على مختلف الفئات الاجتماعية الأخرى التي تملك هامش الوقت والإمكانيات، على غرار أساتذة المدارس الذين يقدمون الدروس الخصوصية، مما استدعى تدخلا حكوميا لتنظيم الحرفة وحماية المتمدرسين، كما صار الأطباء ومهنيو قطاع الصحة يزاولون مهامهم في أكثر من مناسبة، وحتى الصحافيون وعمال الإنتاج الإعلامي تجد الكثير منهم مرتبطين بأكثر من مؤسسة، والمبرر لكل هؤلاء هو الضغوط المعيشية وتوفير حاجيات الأسرة التي لم يعد يكفيها دخل وحيد.

وتقر دوائر مقربة من السلطة، كالأحزاب الموالية لها، بأن حزمة الإجراءات الاجتماعية التي أقرتها السلطة بالتدريج، كزيادة الأجور والمعاشات ومنحة البطالة، ودعم المواد الاستهلاكية الأساسية، كالخبز والحليب والزيت والسكر، سمحت للفئات الهشة بضمان كرامتها المعيشية، مقارنة ببعض المجتمعات التي وجدت نفسها في مواجهة واقع قاس. لكن نقابات مستقلة في الجزائر تتحدث عن أن مداخيل الفئات الهشة تبقى بعيدة جدا عن شروط الحياة الكريمة، وذكرت في دراسة لها أن الدخل

الأدنى لأسرة من أربعة أفراد لا يجب أن ينزل عن حدود الـ400 دولار لضمان حياة كريمة، بينما يقدر الدخل الأدنى حاليا بـ150 دولارا، وهو ما يوحي بأن الزيادات لا يكون لها مفعول بسبب التضخم الذي يجبر الأسر والأفراد على البحث عن مداخيل أخرى حتى ولو كانت بطرق غير شرعية.

عرفت أسعار أغلب المنتجات الأساسية التي يستهلكها المواطنون المغاربة ارتفاعا كالمواد الغذائية والخضر واللحوم الحمراء، ما ضاعف الأعباء الاجتماعية على الأسر ذات الدخل المالي المحدود بالمدن والقرى.

ورغم التموين العادي والطبيعي للأسواق في عدد من المدن المغربية بمختلف المواد الأساسية ظلت وتيرة الأسعار غير مستقرة، إذ سُجلت الزيادات في الأثمان المتباينة على مستوى بعض المواد غير المقننة والخاضعة للعرض والطلب كالخضر والفواكه الطرية، واللحوم البيضاء والحمراء، حيث اعتبرت فعاليات حقوقية أن هذا الارتفاع يضر بالقدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنات والمواطنين.

وتعالت الأصوات المنادية بتحفيز المستهلكين على ترشيد نفقاتهم، لاسيما في ظل الارتفاع الذي باتت تعرفه أسعار المواد الغذائية. وأقر وديع مديح، رئيس الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلك، بأن ترشيد الاستهلاك في هذه الظرفية التي تتميز بارتفاع أسعار الكثير من المواد الأساسية هو أفضل وسيلة لمواجهة موجة الغلاء.

وأفادت المندوبية السامية للتخطيط مؤخرا بأن مؤشر التضخم ارتفع بـ4.4 في المئة خلال نهاية أبريل الماضي على أساس سنوي، ويتوقع بنك المغرب أن يرتفع التضخم إلى 4.7 في المئة برسم السنة الجارية.

وانتقلت “العرب” إلى سوق الخضر بالتقسيط في مدينة صفرو، وسألت عبدالرحمن (أحد البائعين الدائمين) عن مستوى البيع ليؤكد أن الزبائن الدائمين قلصوا الكمية التي كانوا في العادة يشترونها، وذلك بسبب الغلاء حيث أن الرجل الذي كان يقتني 3 كيلوغرامات من البصل والطماطم والبطاطس أصبح يشتري كيلوغراما واحدا من المادة دون أن يلتفت إلى خضر أخرى يمكن اعتبارها من الكماليات في المطبخ في الوقت الحالي.

وأكدت السيدة عائشة (ربة بيت) “أننا لم نعهد هذا الغلاء من قبل فقد كانت الزيادات في وقت سابق تنحصر في مادة أو اثنتين يمكن الاستغناء عنهما، أما الآن فنار الغلاء طالت كل شيء من الزيت واللحوم إلى الحليب والخضر التي كنا نعتبرها صديقة البيت المغربي مثل البطاطس والطماطم والفلفل والبصل”.

واعترف نزار بركة، وزير التجهيز والماء، الأربعاء في تصريحات صحفية بأن “الحكومة تحس بمعاناة المواطنين المغاربة جراء هذه الأزمة، وبأن الوضعية بلغت مستويات صعبة وتفوق قدرة تحمل المواطن”، مشيرا إلى أن الحكومة اتخذت تدابير لضمان وفرة المواد الاستهلاكية، ومن بينها إلغاء الضريبة على القيمة المضافة ووقف استيفاء الرسوم الجمركية على استيراد الأبقار الموجهة إلى الذبح، للمساهمة في انخفاض أسعار بيع اللحوم بالتقسيط وليكون هناك تحسن قبل حلول شهر رمضان.

وأوضح لحسن دحماني (باحث في علم الاجتماع) في تصريح لـ”العرب” أن “المدخول الشهري يتأثر بطريقة ونمط الاستهلاك داخل الأسر المغربية وأيضا طريقة تدبير البيت في ظروف الغلاء، فإذا كانت المرأة المغربية منساقة وراء الاستهلاك التفاخري وعدم قدرتها على التدبير العقلاني لموارد الأسرة الشهرية، ستؤدي هذه الوضعية في ظروف مثل التي يعيشها المغرب حاليا إلى معاناة جميع أفراد الأسرة، وستدفعها بالضرورة إلى التقشف في بعض المواد التي قد تنهك الميزانية”.

ولمواجهة تداعيات الغلاء على الأسر المغربية طالب علي لطفي، الكاتب العام للمنظمة الديمقراطية للشغل، في تصريح لـ”العرب” الحكومة “بزيادة الأجور وتحسين الوضع المعيشي للطبقة العاملة، وإعادة توزيع الدخل لتحقيق العدالة الاجتماعية، والإسراع في إخراج السجل الاجتماعي الموحد إلى حيز الوجود من أجل رصد دقيق للفئات ذات الدخل المحدود والفقيرة، وحماية الفئات الأكثر تضررا، وتوفير الدعم العام لتعويض الفئات الهشة والفقيرة في إطار سياسة شاملة للتغطية الاجتماعية”.

وأمام موجة الغلاء العالمية تؤكد الحكومة المغربية أنها تقوم بما يلزم من خلال دعم غاز البوتان والسكر والدقيق.

العرب