السيولة توفرت.. لكن كيف ستعالج مصر مشاكلها الاقتصادية

السيولة توفرت.. لكن كيف ستعالج مصر مشاكلها الاقتصادية

القاهرة – مكّنت خطة إنقاذ ضخمة من تفادي كارثة أزمة الديون المستمرة في مصر. لكن النموذج الاقتصادي المبني على المشاريع الضخمة والرأسمالية العسكرية والمتسبب في الأزمة لا يزال قائما.

ويقول الباحث ماجد مندور في تقرير نشره موقع عرب دايجست إن الأسابيع القليلة الماضية شهدت سلسلة من الأحداث الدراماتيكية يبدو أنها خففت من أسوأ أزمة ديون مصرية.

وأعلن رئيس الوزراء المصري في 23 فبراير عن الانتهاء من مشروع رأس الحكمة، وهو صفقة استثمارية بقيمة 35 مليار دولار مع دولة الإمارات العربية المتحدة لتطوير شبه جزيرة تقع غرب الإسكندرية. ثم انخفضت قيمة الجنيه في 6 مارس وفقد ثلث قيمته، حيث تراجع من حوالي 30.85 جنيه مقابل الدولار إلى 49.5 جنيه للدولار، وارتبط ذلك مع ارتفاع في أسعار الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس.

وفي نفس اليوم، وافق صندوق النقد الدولي على زيادة قيمة قرضه الأخير للنظام من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات دولار. كما تتوقع مصر الحصول على تمويل إضافي بقيمة 1.2 مليار دولار من صندوق الاستدامة البيئية التابع للصندوق.

وكان تأثير هذه التطورات الإيجابية مباشرا على تصورات المستثمرين عن البلاد. وعادت الأموال الساخنة لتخفيف أزمة الديون المصرية، حيث أمكن بيع حوالي 800 مليون دولار من أذون الخزانة للمستثمرين الدوليين خلال أول أسبوع من مارس.

وتعدّ هذه التطورات غير مسبوقة، لكن نتائجها مألوفة وخاصة العمل على ضخ أموال ضخمة لجذب الأموال الساخنة وخفض قيمة الجنيه إلى حدّ يُطمئن المستثمرين الدوليين. إلا أن النمط المعتمد حاليا يبقى في جوهره هو نفسه الذي خلق الأزمة ولا بد من تغييره جذريا.

خطة الإنقاذ مكنت من تفادي كارثة أزمة الديون، لكن النموذج الاقتصادي والمتسبب في الأزمة لا يزال قائما

وبينما يبدو أن ضخ الأموال النقدية الضخمة من الإمارات العربية المتحدة والأسواق الدولية وصندوق النقد الدولي قادر على التخفيف من أسوأ أعراض الأزمة، إلا أن التصورات بتواصل الضغوط على المالية العامة مبنية على سبب منطقي، وينبع أساسا من أسعار الفائدة المرتفعة تاريخيا التي يعتمدها النظام لجذب تدفقات رأس المال إلى جانب التضخم المتصاعد الذي سيواصل رفع أسعار الفائدة.

وعلى سبيل المثال، أمكن بيع جزء من عرض أذون الخزانة خلال الأسبوع الأول من شهر مارس، والذي يُصبح مُستحقّا في غضون 6 أشهر وسنة واحدة، بمعدل فائدة ضخم بلغ 32.5 في المئة، وهو أعلى مستوى تاريخي.

ويضغط ذلك على التزامات الديون المتضخمة، مما يدفع وزارة المالية إلى إعادة صياغة مشروع ميزانية الدولة لسنة 2024 – 2025 بسبب الزيادة المتوقعة في التزامات الدين التي استهلكت بالفعل 60.3 في المئة من النفقات العامة للأشهر الثلاثة الأولى من السنة المالية 2023 – 2024.

كما سيسبب التخفيض المتوقع لقيمة العملة زيادة نسبة قيمة الدين الخارجي من الناتج المحلي الإجمالي وميزانية الدولة، حيث يُحتسبان بالجنيه المصري.

ويعادل كل انخفاض في سعر الجنيه مقابل الدولار زيادة في تكلفة خدمة الدين الخارجي بمقدار 83 مليار جنيه.

وسبّب التخفيض الأخير في قيمة العملة المصرية ارتفاعا في قيمة ديون مصر بمقدار 1.5 تريليون جنيه مصري.

ويبلغ حجم ميزانية الدولة المصرية الإجمالي حاليا ما يقرب من 3 تريليونات جنيه مصري. ويتفاقم الوضع بسبب ارتفاع التضخم الذي بلغ 35.7 في المئة خلال فبراير، بعد أن كان 29.8 في المئة خلال يناير.

التخفيض المتوقع لقيمة العملة سيسبب زيادة نسبة قيمة الدين الخارجي من الناتج المحلي الإجمالي وميزانية الدولة، حيث يُحتسبان بالجنيه المصري

وشكّل هذا مفاجأة حيث كان من المتوقع أن يستمر تباطؤ التضخم، وجاء الارتفاع قبل التخفيض الرسمي لقيمة الجنيه. وأصبح من المتوقع أن يصل التضخم إلى مستوى قياسي جديد يبلغ 45 في المئة خلال السنة الحالية.

ويسلّط هذا التضخم المتفشي ضغوطا على البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة بهدف تجنب الانزلاق إلى أسعار الفائدة السلبية وتمكين الاستمرار في جذب المستثمرين. ويزيد هذا الديون، ويضيف أعباء على ميزانية الدولة المثقلة بالفعل ويزيد من استهلاك الموارد العامة.

وليس النظام جاهزا للتعامل مع ديناميكية الديون المستمرة. ويجد نفسه في مواجهة ثلاثة خيارات محتملة، وهي زيادة المعروض النقدي، أو زيادة الضرائب، أو فرض تدابير تقشفية صارمة.

وزاد النظام المعروض النقدي بالفعل، حيث نما بنسبة 31.9 في المئة سنة 2023، بعد أن قفز بنسبة 23.1 في المئة ثم 15.7 في المئة خلال العامين الماضيين. لكن هذه السياسة تفاقم المشكلة، وتضاعف التضخم مع زيادة العملة المتداولة.

ويعدّ رفع الضرائب وسيلة أخرى لزيادة الإيرادات. لكن طبيعة نظام الضرائب المصري التنازلية تشير إلى أن هذا النهج سيلقي العبء على أكتاف الفقراء والطبقة الوسطى، وهي سياسة تفضلها النخب العسكرية.

ولن تؤدي هذه الخطوة إلا إلى إضعاف الطلب المحلي بما سيؤثر على آفاق الانتعاش في القطاع الخاص المتضرر بالفعل. لكن نمو رأسمالية الدولة العسكرية الراسخة لن يتأثر مع استمرارها في استهلاك الموارد العامة لإشباع شهيتها التي لا تُسدّ على ما يبدو.

كل انخفاض في سعر الجنيه مقابل الدولار يعادل زيادة في تكلفة خدمة الدين الخارجي بمقدار 83 مليار جنيه

ويمكّن الخيار السياسي الأخير في تدابير التقشف التي يبدو النظام على استعداد لتنفيذها حسبما يبرز من ارتفاع أسعار العديد من السلع الأساسية في بداية السنة، ويشبه تأثير التقشف السلبي نتائج الزيادة في الضرائب، حيث سيضر ضعف الطلب المحلي بالقطاع الخاص ويرفع معدلات الفقر.

وتتجاهل كل هذه الخيارات المشكلة الأكثر وضوحا التي يواجهها الاقتصاد المصري، وهي إصرار النظام العنيد على سياسته المتمثلة في المشاريع الضخمة التي تغذيها الديون والأموال العامة.

ويتجسّد أبرز مثال على ذلك في المرحلة الثانية من العاصمة الإدارية الجديدة المعلن عنها في يناير. وستكون بميزانية قُدّرت قبل تخفيض قيمة العملة بـ250 – 300 مليار جنيه مصري. ويكمن مثال آخر في مشروع جديد لتوسيع قناة السويس بميزانية تقدر بـ14 مليار دولار، لكنه لا يزال قيد التخطيط.

وتقرر هذا رغم انخفاض مداخيل القناة في ميزانية الدولة من 4.5 مليار دولار في 2014 – 2015 إلى 3.8 مليار دولار في 2021 – 2022.

ويثير التراجع مخاوف كبيرة بشأن منفعة المشروع. (شهدت الأرباح خسائر أخرى بسبب هجمات الحوثيين على الشحن البحري في البحر الأحمر مع انخفاض الإيرادات بنسبة 40 في المئة). ويُذكر أن قناة السويس تعدّ إقطاعية عسكرية، أي أن الجيش يوظف رسوما على كل سفينة عابرة، وبهذا يتحول المنطق الذي يقوم عليه المشروع من الصالح العام إلى إثراء النخب العسكرية.

وتكمن الحقيقة في أن نفس الديناميكيات التي تسببت في الأزمة المالية لا تزال سائدة. ولن يؤدي ضخ رأس المال في خزائن النظام إلا إلى تشجيع استمرار نفس السياسة القديمة التي من المنتظر أن تؤدي إلى نتيجة مماثلة، وهي أزمة ديون أخرى.

والأهم من ذلك أن النظام سيتحول إلى عبء ثقيل يُثقل كاهل حلفائه، وغير قادرة على البقاء دون دعم خارجي مستمر، وأكثر هشاشة أمام تقلبات رأس المال العالمي.

لكن الشعب المصري سيتحمل التبعات الأكثر تدميرا وسيواصل تحمل عبء نشر نموذج اقتصادي غير مستدام، وهو ما يشبه ثقبا أسود يمتص المليارات من الأموال العامة التي كان من الممكن استخدامها للتخفيف من البؤس الاقتصادي الذي مسّ جل السكان.

العرب